الدكتور زياد الحسني
مدرب تواصل وقيادة وتفكير ، باحث في الإعجاز النفسي في القرآن والسيرة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد الصادق الأمين وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته الغر المنتجبين وبعد
فإن للشخصية المحمدية سمات تجعلها منارة تهتدي بها النفوس ولها أبعاد تضعها موضع القدوة الخالدة في مناحي الحياة جميعاً،فإن طلبت مواصفات القائد وجدتها فيه وإن طلبت مواصفات الزوج وجدتها فيه وكذا المربي والناصح والأب والجار والصديق وغير ذلك…هذا بالإضافة إلى البعد الأهم وهو الإنسان ببعده الموضوعي والذاتي وبمساحته المحلية والعالمية،مما حدا بنا في برنامج(سفراء محمد)أن نبتكر مصطلحاً تنموياً نفسياً مهما ألا وهو الموقف المحمدي MohammedianAttitute، فهلم نتعرف على معنى ( الموقف Attitude ) ثم نوضح ماهو (الموقف المحمدي) .
الموقف هو ميل نفسي ينبني على تقييم كيان أو حدث أو سلوك على أنه مفضل(إعجاب) favour أو غير مفضل(إزدراء) disfavour (ايجلي وشايكن).وهو يدور حول الحالة الداخلية للشخص،يُصوَّر على أنه شيء يتوسط بين جوانب البيئة الخارجية(المنبهات)وردود فعل الأشخاص(الاستجابات التقييمية الواضحة)وبالتالي،فإنه ليس استجابة بحد ذاتها،وإنما هو جذر وجوهر ممهد للإستجابة(زياد الحسني ).وفقًا لعلم النفس الاجتماعي حدد جوردون ألبورت الموقف بأنه حالة التصرف العقلي المنظمة التي لها تأثير مباشر على السلوك اليوميللشخص .
المكونات الثلاثة للموقف :
وبناء عل ما تقدم فإن أي إنسان في هذا العالم يتحدد سلوكه المباشر وغير المباشر بما يحمله من مواقف تجاه الكائنات والأحداث من حوله ، وبناء على هذا المواقف سيتحدد جزء كبير من تفاعله معها.
والمسلم اليوم يعيش في عالم متنوع متغير متداخل ولابد له من نموذج قياسي Standard Modelيبني عليه موقفه وهل غير محمد يصلح أن يكون هذا النموذج ؟!
عاش الحبيب محمد في بيئة متضاربة الإتجاهات فمن بقايا الحنفية الإبراهيمية إلى أخبار النصرانية إلى الواقع الجاهلي البغيض من الشرك والظلم والتشريعات الإجتماعية الطاغية ، إلى الأحوال الشخصية الفاسدة رغم وجود قيم أصيلة،كل هذا في مجتمع في الضعفاء والمساكين كما فيه الطغاة المتعجرفين وفيه الجهلة الخانعين كما فيه الرواد الطموحين ….ومحمد صلوات ربي وسلامه عليه يتطلع إلى السماء ليرى بعداً يلوح هناك يحمل بين طياته الطمأنينة والخلاص والإصلاح … فكيف مارس بناء الموقف ، لعنا نهتدي ونقتدي ..
الإنسان – بحسب الموقف – أما أن يتوجه (نحو) الشيء في حالة (إتصال) ، أو (بعيداً ) عنه في حالة ( إنفصال )
إن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم كان يتحرك في محيط جاهلي مريض تأبى النفس النقية أن تمتزج في ممارساته أو ترضى بفضائعه أو تشارك في عبثه ، ولكن المجتمع كان يعج بالضعفاء والمساكين والطيبين وأصحاب الحاجات والجيران والأصدقاء وأهل النفوس التواقة ، كما أن هذه المعادلة لا يستقيم وضعها ولا تتزن كفتيها إلا بوجود عنصر ثالث يقدم الحلول للنفوس فيهذب الجامح ويطمئن النقي ويرسم حدود العلاقات العادلة ويبث نسمات الرحمة ويدعو إلى الإحسان والعزة والسمو .. فكان العنصر الثالث هو حالة الإيمان الذي وعدت به البشرية منذ مهبط سيدنا آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
فالموقف المحمدي بني على أساس انفصال شعوري واضح وازدراء لأخطاء المجتمع آنذاك، فلم يعبد آلهتهم وكان عندما يرى مشاهد الظلم يتمعر وجهه ويزدري الفاعل ، موقف واضح وثابت ، وفي نفس الوقت كان يمارس إتصالاً رائعاً مع القيم الإنسانية النبيلة فهو يواسي المقهور وينصر المظلوم ويصل الرحم ويحمل الكل ويعين على نوائب الدهر ما شهدت له السيدة خديجة مطلع البعثة وماهذه إلا ممارسات بنيت على موقف إتصالي ( لم يمنعه شنآن قوم على أن يعدل ) بل تجلى واضحاً في مشاركته وثنائه على حلف الفضول الذي عقدته قريش لنصرة المظلومين ورفع القهر عن الضعفاء . ومن جهة ثالثة إتصال بالقوة الأعظم في هذا الكون وهو الله تعالى من خلال التدبر والتأمل والعزلة التي مارسها حبيبنا محمد ، هذا التوازن الرائع نحن اليوم بأمس الحاجة إلى فهمه وتجسيده في حياتنا اليومية ، نحن مع الإنسان في همه وفرحه وضعفه وطموحه ، مع كل ماهو إنساني نظيف ونقي مهما كان مصدره (عن حلف الفضول قال معلمنا الكريم : ولو دعيت له في الإسلام لأجبت ).
| وكان في غار حراء يبتعد عن ضجيج مكة وظلالها وعينه عليها من فتحة الغار وحول الغار يخيم الفقراء يأكلون مما تأتي به خديجه لزوجها وهو في عزلته وقلبه متصل بربه يستمد منه القوة والسند . |
هنا سيبقى فراغ شعوري في الجانب التعاملي والقبول الاجتماعي،فالرسول–ونحن من بعده–قد ننفصل عن أمراض المجتمع وتعاملاته الخاطئة وقد يقع رفضنا وحربنا واستفزازنا فنشعر بفراغ وضعف،فما هو التعويض؟؟؟هنا يأتي دور الإتصال الروحي والايمان الحقيقي بالله وقوانينه وعدله ونصره فتعود الشخصية لاتزانها ويتكامل الموقف بأركانه….إنه ببساطة (الموقف المحمدي Mohammedian Attitude) الذي نستلهم منه موقفنا في عالم اليوم لنعيش حياة إنسانية متزنة لا تحرمنا أن نشارك الآخرين إنسانيتهم ولا يضعفنا فيه قلة حيلتنا وهواننا على الناس،صلى الله عليك ياحبيبي يا رسول الله .في مقالة لاحقة قد نتحدث عن الإنحرافات التي تحصل في مواقفنا عن هذا المؤشر القياسي ونتائجه.
التبرع بجزء من أموال الحج للفقراء والمرضى ضرورة في الوقت الحاليالتكافل الاجتماعي من الأمور التي حثت...
مقالات
الأعياد في الإسلام هي مواسم للسعادة والسرور، فعيد الفطر يأتي بعد أداء فريضة الصيام، وعيد الأضحى يأتي...
مقالات
ذكرى الهجرة النّبويّةموعد ارتقاء متجدّد للأمّةالمهندس صالح بكليصاحب المنهاج التّفاعلي للسّيرة النّبو...
مقالات
“لتعارفوا”.. وكورونا نموذجاالدكتور ياسر حسين حسنبسم الله الرّحمن الرّحيمبادئ ذي بدء نبارك للهيئة الأ...
مقالات