الهيئة الأوروبية للمراكز الإسلامية

صفة إستشارية لدى الأمم المتحدة
إطلاق تجريبي
2025-06-26

 

المهاجرون والنازحون بين واجب النصرة وأمانة المسؤولية

 

يقلم – علي حشاني

في زمن تتوالى فيه الأزمات وتتشابك فيه النزاعات المسلحة عبر الجغرافيا السياسية، تبرز قضية النزوح والهجرة القسرية كواحدة من أكثر القضايا المأساوية والإنسانية التي تواجه البشرية، وإن كان القرن العشرين قد شهد حروبا عالمية نزح بسببها ملايين، فإن العقدين الأخيرين شهدا موجات من التهجير القسري فاقت في حجمها وسرعتها قدرة العالم على الاستيعاب أو الاستجابة.

ولطالما كان الإنسان عبر التاريخ ضحية للظروف التي تتجاوز قدرته على الاحتمال، ولكن أكثر ما يؤلم في قضايا النزوح والهجرة القسرية هو أن المهاجر لا يفرّ بحثا عن حياة أفضل، لكنه يهرب من موت محقق، هؤلاء الناس لا يختارون الرحيل إنما يُجبرون عليه تحت تهديد السلاح، أو قصف الطائرات أو انهيار الخدمات الأساسية أو تهميشهم على أسس عرقية أو مذهبية.

 هذا النوع من النزوح لا يترك خيارات متعددة، بل يدفع الناس إلى خوض البحار في قوارب الموت، أو اجتياز الحدود الوعرة أو العيش في مخيمات تفتقر إلى مقومات الحياة الإنسانية، وفي هذا المشهد القاتم يكون على العالم أن يختار: إمّا أن يقف موقف المتفرج اللامبالي أو أن يتحمّل مسؤوليته الأخلاقية والإنسانية. 

هذا النزوح لم يكن ناتجا فقط عن الحروب التقليدية إنما جاء نتيجة لمزيج من الصراعات الأهلية والتمييز العرقي والديني، والاضطهاد السياسي والفقر المدقع والتغيرات المناخية التي اجتمعت كلها لتحرم الإنسان من حقه الأول: الأمن والسكينة في وطنه، ولا يمكن الحديث عن هذه الظاهرة دون التطرق إلى السياق الإسلامي حيث إن أغلب الدول المتأثرة بالنزوح إما دول إسلامية أو تحتضن أقليات مسلمة مستهدفة، ما يجعل من العالم الإسلامي طرف محوري، ليس فقط في كونه متأثر لكن باعتباره أيضا جهة مسؤولة عن تقديم العون والدعم والمساندة، انطلاقا من تعاليمه الدينية ومنظومته الأخلاقية.

بالنسبة للعالم الإسلامي فإن الخيار لا يجب أن يكون موضع نقاش إذ تفرض الشريعة الإسلامية والأخلاق الإنسانية والمنظور التاريخي أن يكون للمسلمين دور ريادي في دعم إخوانهم من النازحين، لا باعتبارهم "عبئا" بل كأمانة معلّقة في رقاب من يستطيعون العطاء، وهذه الأمانة تتطلب خطط وتمويل وتعاطف حقيقي يتجاوز الشعارات والمواقف السياسية ليصل إلى الفعل المؤثر والميداني.

قراءة في المفهوم والدلالة في الهجرة النبوية والنزوح المعاصر 

إن استحضارنا للنموذج النبوي في مسألة الهجرة يُعد ضرورة لفهم جذور التضامن الإسلامي مع المهاجرين والنازحين، فالهجرة لم تكن يوما أمرا طارئا في التاريخ الإسلامي إنما كانت لحظة تأسيسية للدولة والمجتمع.

حين هاجر النبي محمد صلى الله عليه وسلم ومن معه من الصحابة من مكة إلى المدينة  لم يكونوا مجرد لاجئين يبحثون عن مأوى، إنما كانوا جماعة اضطُهدت دينيا واقتصاديا واجتماعيا، فاضطرت للهجرة قسرا من أرضها، وكان استقبال أهل المدينة لهم مثالا خالدا في الكرم والمشاركة والتضامن حيث آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في نموذج لا تزال الإنسانية تقف أمامه بإعجاب.

 وقد أثنى القرآن الكريم على المهاجرين في آيات كثيرة ووصفهم بأنهم "الذين أُخرجوا من ديارهم وأموالهم"، وامتدح الأنصار الذين "يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة"، هذه القيم ليست مجرد تاريخ إنما هي دعوة مستمرة للأمة بأن تتعامل مع اللاجئ والنازح بروح الأخوة والتكافل لا بمنطق المنّة أو الإحسان، فالنازح ليس متسولا بل مظلوم يبحث عن العدالة والكرامة وهي حقوق مكفولة شرعا وقانونا.

مأساة النزوح في العالم الإسلامي

إن المتتبع للواقع الإقليمي يجد أن أكبر بؤر النزوح واللجوء في العالم اليوم تقع ضمن حدود العالم الإسلامي، ما يعكس حجم المأساة وتعقيدها. ففي سوريا أدى النزاع الدامي الذي اندلع عام 2011 إلى تهجير أكثر من 13 مليون شخص بين نازح داخلي ولاجئ خارجي، وفي اليمن تسببت الحرب والصراعات الطائفية في تشريد الملايين وسط مجاعة متفاقمة ونقص حاد في الخدمات، وفي فلسطين يعيش أكثر من 6 ملايين لاجئ موزعين بين الضفة الغربية وقطاع غزة والدول المجاورة دون أمل في العودة. أما في السودان فقد أدى الانقسام الداخلي والحروب الأهلية المتكررة إلى نزوح ملايين داخل وخارج البلاد. ولا ننسى الصومال، ليبيا، العراق، أفغانستان، وميانمار… القائمة تطول.

 وما يجمع هذه الحالات هو أن جميعها تتعلق بصراعات مزمنة، يتقاطع فيها العامل السياسي مع الطائفي مع التدخلات الخارجية، ما يضع النازحين في قلب دوامة معقدة لا يعرفون كيف يخرجون منها.

في كثير من الحالات لا يجد اللاجئون من يحميهم حتى في دول اللجوء حيث يعانون من التمييز أو يتم استغلالهم في سوق العمل أو يُحرم أطفالهم من التعليم أو تُقيّد حركتهم، بعضهم يبقى في المخيمات لعشرات السنين كما هو حال الفلسطينيين أو يعيش في مناطق نزاع أخرى كما هو حال السوريين في لبنان، هذه الوضعية المأساوية تتطلب من العالم الإسلامي ليس فقط التضامن في الشعارات، بل التخطيط الاستراتيجي لتخفيف المعاناة وتوفير حلول دائمة تحترم كرامة الإنسان.

الجهود الإسلامية الرسمية وغير الرسمية في دعم النازحين:

لم تكن استجابة العالم الإسلامي لأزمة النزوح واللجوء خالية من المبادرات الإيجابية فقد برزت جهود لافتة من بعض الدول والمنظمات الإسلامية سواء على المستوى الحكومي أو الشعبي، فعلى صعيد الحكومات كانت هناك مواقف يُشهد لها بالإنصاف والتعاطف حيث بادرت بعض الدول الإسلامية رغم تحدياتها الاقتصادية والاجتماعية إلى فتح أبوابها أمام ملايين اللاجئين، فتركيا على سبيل المثال استقبلت أكثر من أربعة ملايين لاجئ سوري وقدّمت لهم خدمات تعليمية وصحية، وسمحت لكثير منهم بالاندماج الجزئي في سوق العمل، ووفرت لهم بيئة أكثر استقرارا مقارنة بكثير من الدول الأخرى، ورغم الانتقادات التي تتعرض لها أحيانا فإن ما قامت به تركيا يمثل نموذجا يحتذى به من حيث تحملها لأعباء إنسانية ضخمة لا تتناسب دائما مع قدراتها الاقتصادية.

في الأردن ولبنان ورغم محدودية الموارد استقبلت هذه الدول أعدادا كبيرة من اللاجئين السوريين والفلسطينيين، مما شكّل ضغطًا هائلا على البنية التحتية والخدمات العامة، لكن ذلك لم يمنع هذه الدول من الاستمرار في تقديم الخدمات بالتعاون مع وكالات الأمم المتحدة والدول المانحة، بنغلادش أيضا برزت كمثال مؤثر حين فتحت حدودها لمئات الآلاف من مسلمي الروهينغا الهاربين من التطهير العرقي في ميانمار رغم كونها من أفقر الدول الإسلامية.

أما على صعيد المنظمات الإسلامية فقد لعبت جهات مثل منظمة التعاون الإسلامي والبنك الإسلامي للتنمية والهلال الأحمر في عدد من الدول والندوة العالمية للشباب الإسلامي وقطر الخيرية ومؤسسة الإغاثة الإسلامية العالمية أدوارا مهمة في التنسيق وتنفيذ مشاريع إغاثية في مناطق النزوح ودعم اللاجئين في الداخل والخارج، هذه الجهود شملت توفير الغذاء والدواء والمأوى وتمويل المدارس المؤقتة والمراكز الطبية وتنظيم حملات دعم موسمية في رمضان والأعياد.

أما الشعوب الإسلامية فقد أظهرت مرارا قدرتها على التعبير عن التضامن سواء من خلال حملات التبرعات أو المبادرات التطوعية أو الاستجابة السريعة للكوارث، لكن تظل هذه الجهود مشتتة إلى حد كبير وتعاني من غياب إطار تنسيقي جامع يضمن استدامتها وكفاءتها.

المساندة المادية والمعنوية وضرورة تكامل الجانبين في معالجة الأزمة:

إن دعم النازحين لا يجب أن يُفهم فقط في سياق تقديم الإعانات المالية أو المساعدات الغذائية بل يجب أن يتضمن رؤية شاملة تتعامل مع الإنسان من منظور كلي يأخذ في الاعتبار حاجته للأمان والاستقرار، والتعليم والكرامة.

 من الناحية المادية يجب أن تتركز الجهود على توفير الاحتياجات الأساسية بشكل منتظم لا موسمي، وأن تُدار هذه الموارد بشفافية وفاعلية من خلال شراكات بين الحكومات والمنظمات غير الحكومية والقطاع الخاص والمؤسسات الخيرية، يجب أن تشمل المساعدة بناء مساكن بديلة مؤقتة تحفظ كرامة الإنسان بدل المخيمات المكتظة وتوفير مياه نظيفة وصرف صحي وخدمات صحية أولية وثانوية، وتأمين تعليم منتظم للأطفال وبرامج تدريبية للكبار.

إلى جانب ذلك تأتي أهمية تقديم الدعم المعنوي والنفسي الذي غالبا ما يُغفل في الخطط الإغاثية رغم كونه لا يقل أهمية عن الطعام والدواء، فقد أظهرت دراسات أن أعداد كبيرة من اللاجئين يعانون من اضطرابات ما بعد الصدمة والاكتئاب والقلق المزمن بسبب ما شهدوه من عنف وفقدان وشتات، هؤلاء يحتاجون إلى برامج دعم نفسي حقيقية تُنفذ على يد مختصين وتستهدف الأطفال خصوصا لحمايتهم من الانزلاق إلى العنف أو الانعزال أو الفشل الأكاديمي.

كما أن الدعم المعنوي يتجلى في احترام هوية النازحين الدينية والثقافية وتمكينهم من ممارسة شعائرهم والتعامل معهم بكرامة لا باعتبارهم عالة بل كأشخاص فقدوا كل شيء ويستحقون فرصة لبناء حياة جديدة، يجب أيضا العمل على دمجهم تدريجيا في المجتمعات المضيفة مع مراعاة التوازن الاجتماعي وعدم إثارة الحساسيات، وهو أمر يحتاج إلى سياسات حكومية رشيدة وحملات توعية مجتمعية متكاملة.



رؤية استراتيجية نحو نصرة حقيقية وفاعلة لمشكلة النزوح :

لكي يكون للعالم الإسلامي دور محوري ومؤثر في معالجة أزمة النزوح لابد من الانتقال من مرحلة التفاعل العاطفي إلى العمل المنهجي المنظم.

1.  يجب إنشاء هيئة إسلامية موحدة (هيئة تنسيق إسلامية عليا لشؤون النازحين) تحت مظلة منظمة التعاون الإسلامي تُعنى بقضية النازحين واللاجئين وتضم خبراء من مختلف المجالات: الإغاثة وعلم النفس، القانون والاقتصاد، التعليم...، هذه الهيئة تضع الخطط وتتابع التنفيذ وتنسق بين الدول والمنظمات.

2.  إطلاق صندوق إسلامي دائم لتمويل مشاريع إغاثية وتنموية للنازحين يشارك فيه الأفراد والدول والقطاع الخاص، على أن تُدار موارده بشفافية ويُخصص جزء كبير منها لمشاريع التعليم والصحة والتدريب المهني. 

 

3.   يجب العمل على تطوير خطاب إعلامي وإنساني جديد يركز على التعاطف مع اللاجئ لا الخوف منه وعلى إبراز قصص النجاح والتغلب لا فقط صور المعاناة.

4.   تعزيز دور المساجد والمؤسسات الدينية والمناهج التربوية في نشر ثقافة التضامن والرحمة تجاه النازحين وغرس مفهوم الأخوة الإسلامية العالمية، بحيث لا يُنظر إلى اللاجئ كـ"آخر" بل كجزء من الجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.