213 مليون طفل في خطر
إعداد الباحث: منذر بومكاح
يعيش العالم في السنوات الأخيرة حالة متفاقمة من الاضطراب الإنساني، نتيجة تداخل أزمات متعددة ومتشابكة تضرب مجتمعات بأكملها، وتطال الفئات الأضعف أولا، وعلى رأسها الأطفال فبين النزاعات المسلحة المستمرة في عدة مناطق، والانهيارات الاقتصادية، والتغيرات المناخية، إلى جانب الأوبئة، بات الأطفال في الخطوط الأمامية لأزمات متجددة تهدد حياتهم، ونماءهم، ومستقبلهم بأكمله.
في هذا السياق، أطلقت منظمة الأمم المتحدة للطفولة تقريرها السنوي العمل الإنساني من أجل الأطفال 2025، محذرة من أن العام القادم قد يشهد أحد أسوأ الأوضاع الإنسانية للأطفال في التاريخ المعاصر.
وفي مواجهة هذا الواقع، تطلق اليونيسيف نداء تمويليا عالميا بقيمة 9.9 مليار دولار أمريكي، لتأمين استجابة شاملة ومتعددة القطاعات، تشمل مجالات: الصحة، التعليم، التغذية، المياه والحماية، في سعي حثيث لمنع انهيار الطفولة في مناطق الأزمات، وتطمح المنظمة إلى بلوغ ملايين الأطفال بخدمات منقذة للحياة، واستجابات نوعية تُعيد الاعتبار لحقوق الطفولة في بيئات فقدت القدرة على الحماية والرعاية.
مؤشرات تنذر بكارثة إنسانية
تظهر البيانات الواردة في تقرير اليونيسيف حجما غير مسبوق من التهديدات التي تواجه الطفولة عالميا، ما ينذر بكارثة إنسانية واسعة النطاق إذا لم يتم اتخاذ تدابير عاجلة وفعالة، وبحسب تقديرات اليونيسيف، سيحتاج نحو 213 مليون طفل في 146 بلدا وإقليما إلى مساعدات إنسانية خلال عام 2025، في مؤشر خطير يدل على تفاقم الأوضاع في البيئات المتأثرة بالنزاعات والكوارث وتغير المناخ والأزمات الاقتصادية. ويتوقع أن تشمل هذه المساعدات تدخلات أساسية في مجالات الصحة، التعليم، الحماية، التغذية، والمياه، سوف تستهدف 109 ملايين طفل، من بينهم 10.9 مليون طفل من ذوي الإعاقات، وأكثر من 55 مليون فتاة بحاجة المساعدات.
كما تشير التقديرات إلى أن أكثر من 34 مليون طفل قد يعانون من سوء التغذية، في حين يُتوقع حرمان ما لا يقل عن 24 مليون طفل من فرص التعليم، وتلفت المنظمة كذلك إلى حاجة أكثر من 20 مليون طفل إلى دعم نفسي واجتماعي نتيجة ما تعرضوا له من صدمات ونزوح وعنف في مناطق النزاعات.
تعدد الأزمات وزيادة الخطر
يشير التقرير إلى تصاعد غير مسبوق في الطابع المركب والمتعدد الأوجه للأزمات الإنسانية التي تطال الأطفال في مختلف أنحاء العالم، حيث تتقاطع النزاعات المسلحة، والكوارث المناخية، والانهيارات الاقتصادية لتشكل بيئة صعبة تقوض أبسط مقومات الحياة الكريمة للطفولة. فالنزاعات المستمرة في دول مثل السودان، فلسطين، أوكرانيا، وميانمار، أسفرت عن موجات نزوح هائلة، تسببت في هجرة أكثر من 50 مليون طفل من بلدانهم، ما جعلهم عرضة لانتهاكات جسيمة في مجالات الصحة، التعليم، والحماية.
وذلك مع تفاقم الكوارث المناخية الناتجة عن تغير المناخ، إذ يعيش ما يقارب مليار طفل في بلدان مصنفة على أنها الأكثر عرضة لتأثيراته، مثل الفيضانات، العواصف، الجفاف، وارتفاع درجات الحرارة، مما يعرضهم بشكل يومي لمخاطر صحية وغذائية متزايدة، وتفاقم هذه الأوضاعَ الأزمة الاقتصادية العالمية التي أضعفت قدرة الدول متوسطة ومنخفضة الدخل، خصوصا في إفريقيا وأمريكا اللاتينية، على توفير الخدمات الأساسية، نتيجة تدهور الأنظمة الصحية، وارتفاع مستويات الفقر المدقع.
تمويل غير كاف واستجابات محدودة
على الرغم من إطلاق نداءات تمويل متكررة من قبل منظمة اليونيسيف لتغطية الاحتياجات الإنسانية المتزايدة للأطفال، فإن الاستجابة المالية العالمية لا تزال دون المستوى المطلوب، ما يعكس فجوة حرجة بين حجم التحديات والموارد المتاحة.
ووفقا لما ورد في التقرير، لم يتجاوز التمويل الذي تم جمعه خلال عام 2024 نسبة 39% من المبلغ المستهدف، وهو ما يعد مؤشرا مقلقا على تراجع التزام المجتمع الدولي تجاه الأزمات الإنسانية، لاسيما تلك التي توصف بأنها منخفضة الظهور الإعلامي، والتي غالبا ما تهمش في توزيع الموارد.
وتعاني الاستجابة الإنسانية كذلك من الاعتماد المفرط على تبرعات موجهة ومشروطة، تخصص مسبقا لأزمات أو بلدان معينة، مما يقيد قدرة المنظمة على التحرك السريع والفعال في مواجهة الأزمات الطارئة أو المتغيرة.
وتلفت اليونيسيف إلى أن التمويل المرن وغير المشروط لا يشكل سوى 9% من إجمالي التمويل الإنساني المتاح، وهو ما يعوق إمكانية الوصول إلى الأطفال الأكثر تضررا، ويحد من القدرة على إعادة تخصيص الموارد وفقا لأولويات الحاجة على أرض الواقع. وفي هذا الإطار، تدعو المنظمة إلى اعتماد نهج تمويلي يقوم على التعدد الزمني والمرونة وعدم التقييد بوصفه السبيل الوحيد لضمان استجابة مستدامة، شاملة وسريعة.
استجابة إنسانية عادلة
كما يولي تقرير اليونيسيف أهمية مركزية لمبدأ الإنصاف بوصفه أحد الركائز الأساسية في الاستجابة الإنسانية الفعالة، مؤكدًا أن العدالة في العمل الإنساني لا تقاس فقط بحجم التغطية العددية، بل بقدرة التدخلات على الوصول إلى الفئات الأكثر هشاشة وتهميشا من الأطفال، وفي هذا الإطار تدعو اليونيسيف إلى تبني مقاربة قائمة على عدم ترك أحد خلف الركب، من خلال استهداف الأطفال الذين يعانون من أوضاع استثنائية، كالأطفال ذوي الإعاقة، والمقيمين في مناطق نائية أو مناطق نزاع مزمن، والذين غالبا ما يقعون خارج نطاق البرامج الإغاثية التقليدية.
ويشدد التقرير على ضرورة الموازنة بين التدخلات الطارئة والاستثمار في بناء أنظمة خدمات مستدامة في مجالات الصحة، والتعليم، والحماية، والمياه والصرف الصحي، بما يعزز قدرة المجتمعات المحلية على الصمود ويحد من اعتمادها المزمن على المعونات.
المصدر:
1. https://www.unicef.org/media/165936/file/Humanitarian-Action-for-Children-2025-Overview.pdf.
2. https://www.unicef.org/reports/humanitarian-action-children-2025-overview.
التبرع بجزء من أموال الحج للفقراء والمرضى ضرورة في الوقت الحاليالتكافل الاجتماعي من الأمور التي حثت...
مقالات
الأعياد في الإسلام هي مواسم للسعادة والسرور، فعيد الفطر يأتي بعد أداء فريضة الصيام، وعيد الأضحى يأتي...
مقالات
ذكرى الهجرة النّبويّةموعد ارتقاء متجدّد للأمّةالمهندس صالح بكليصاحب المنهاج التّفاعلي للسّيرة النّبو...
مقالات
“لتعارفوا”.. وكورونا نموذجاالدكتور ياسر حسين حسنبسم الله الرّحمن الرّحيمبادئ ذي بدء نبارك للهيئة الأ...
مقالات