الفتاوي
أخر الأخبار

الاعتداء على الكنائس ودور العبادة

الاعتداء على الكنائس ودور العبادة

استفسار:

      كثيرا ما نشهد بعض الاعتداءات على الكنائس ودور العبادة أو استهدافها بالهدم والتفجير؟ فما حكم ذلك،سواء كان فيها مصلون أم لا؟

الــــــــــــــــــــــــرد:

       الإسلام دين الله تعالى الذي انزل الكتب السماوية جميعا،و هو دين التعايش والتضامن و الحرية، فلا إكراه ولا إجبار و لا عنف.

      والاعتقاد و التديّــن مسألة اختيارية،فمن مبادئ الإسلام عدم الإكراه،لذلك لم يجبر أصحاب الديانات و الملل الأخرى على الدخول فيه،بل جعل ذلك باختيار الإنسان،

  • قال تعالى:﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾[البقرة: 256]،
  • وقوله سبحانه: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]،
  • وقال جلَّ شأنه: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾[الكافرون: 6].

        فكانت النتيجة أن بقي ثلة من الناس على أديانِهم،و بالتالي سمح لهم بممارسة عباداتهم و طقوس أديانهم في دور عبادتهم كالكنائس و البِّــــيَع،وضَمِــن لهم السلامة والأمن،بل وحرَّم الاعتداء عليها بكافة أشكاله،فالقرآن الكريم أكد على حفظ دور العبادة من الهدم حتى في الحرب،مع حفظ أمنها،وسلامة روادها، قال تعالى:﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾[الحج: 40-41].

         وبذلك جاءت السنة النبوية الشريفة، فكتب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأسقف بني الحارث بن كعب وأساقفة نجران وكهنتهم ومَن تبعهم ورهبانهم أنلهم على ما تحت أيديهم من قليل وكثير من بِيعهم وصلواتهم ورهبانيتهم،وجوار الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ألَّا يُــغَـــيَّــــــرَ أسقف عن أسقفيته،ولا راهب عن رهبانيته،ولا كاهن عن كهانته،ولا يُغير حق من حقوقهم،ولا سلطانهم،ولا شيء مما كانوا عليه،ما نصحوا وأصلحوا فيما عليهم،غيرَ مُثقَلين بظلم ولا ظالمين»[كتابالأموال،وابن سعد في الطبقات الكبرى“] و غيرهما.

       بل توسع الإسلام في الأمر إلى إظهار البر والرحمة والقسط في التعامل مع المخالفين في العقيدة،قال تعالى:﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾[الممتحنة: 8].و عليه قامت دولة الإسلام و حضارته منذ عهود الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم.

     و من ابرز قصص الخلفاء ما فعله عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما دخل بيتَ المقدس جاء كنيسة القيامة فجلس في صحنها،وحان وقت الصلاة فقال للبطريك:”أريد الصلاة،فقال له:صلِّ موضعَك،فامتنع وصلَّى على الدرجة التي على باب الكنيسة منفردًا، فلما قضى صلاته قال للبطريك: “لو صلَّيْتُ داخلَ الكنيسة أخذها المسلمون بعدي،وقالوا:هنا صلَّى عمر“.وقد نقل المستشرقون هذه الحادثة بإعجاب كما فعل درمنغم في كتابه “The live of Mohamet” فقال:”وفاض القرآن والحديث بالتوجِيهات إلى التسامح،ولقد طبق الفاتحون المسلمون الأولون هذه التوجيهات بدقة عندما دخل عمر رضي الله عنهالقدس أصدر أمره للمسلمين أن لا يسببوا أي إزعاج للمسيحيين أو لكنائسهم، وعندما دعاه البطريق للصلاة في كنيسة القيامة امتنع،وعلَّل امتناعه بخشيته أن يتخذ المسلمون من صلاته في الكنيسة سابقة،فيغلبوا النصارى على الكنيسة،ومثله فعل ب. سميث في كتابه: “محمد والمحمدية“.

     و من الأحداث الأخرى المشابهة لما أعطى خالد بن الوليد رضي الله عنه الأمان لأهل دمشق على كنائسهم،وكتب لهم به كتابًا،كما أعطى ابوعبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه لأهل بعلبك الأمان على أنفسهم وكنائسهم،وكذلك فعل مع أهل حمص وأهل حلب،و غيرها كثير.

       و عليه هدم الكنائس أو تفجيرها أو قتل من فيها أو ترويع أهلها من الأمور المحرمة شرعا، و هو اعتداء على ذمة الله ورسوله صلى الله عليه،وفاعل ذلك كان النبي صلى الله عليه خصمه يوم القيامة؛ لما روى أبو داود في سننه،والبيهقي فيالسنن الكبرىعن صَفْوانَ بنِ سُليمٍ، عن عدةٍ وعند البيهقي:عن ثلاثين مِنْ أبناءِ أصحابِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم، عن آبائِهِم رضي الله عنهم؛عَنْ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم قالَ: «ألَا مَن ظلم مُعاهَدًا، أو انتقصه، أو كلَّفه فوق طاقته،أو أخذ منه شيئًا بغير طِيبِ نفسٍ فأنا حجيجُه (أي: خصمُه) يوم القيامة»،و أيضا: «ألَا ومَن قتل مُعاهَدًا له ذمة الله وذمة رسوله، حرم الله عليه ريح الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفًا».

      ولا يخفى أيضًا ما في هذه الأعمال التخريبية من الغدر والفتك وإيذاء المدنيين والنصوص في هذا الأعمال و التصرفات واضحة،لأنها مخالفةً لما أمر به الشرع على سبيل الوجوب من المحافظة على خمسة أشياء أجمعت كل الملل على وجوب المحافظة عليها، وهي:الأديان،والنفوس،والعقول،والأعراض، والأموال،وهي المقاصد الشرعية الخمسة.

و الله اعلم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى