آخر الأخبارمقالات
أخر الأخبار

البعد المقاصدي للحج

البعد المقاصدي للحج

-بقلم الاستاذ : محمد زين الدين عبد  المؤمن

الحمد لله رب العالمين، جعل أفئدة من الناس تهوي إلى المشاعر المقدسة، فيتجشمون إليها رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق. والصلاة والسلام على خير من أدى فريضة الحج ثم قال: “خذوا عني مناسككم” (مسلم)، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم إلى يوم الدين. أما بعد.

فما شرع الله تعالى للناس من أمر إلا ومن ورائها مقاصد جليلة يهتدي إلى معرفتها من شاء الله تعالى من أهل العلم. وقد تتبع العلماء نصوص الحج في الكتاب والسنة وتمكنوا من الوصول إلى مجموعة من المقاصد من أهمها ما يلي:

تحقيق التوحيد والإخلاص

خلق الله تعالى الجن والإنس ليعبدوه وحده لا شريك له، ولا يَقبل منهم عبادة مهما كانت إذا لم يتوفر فيها الإخلاص الدال على توحيد الله فيها. وقد أمر االله إخلاص الحج له فقال تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ (البقرة:196). قال الإمام الشافعي: “وإنما قال في الحج والعمرة “لله” ولم يقل ذلك في الصلاة والزكاة، من أجل أنهم كانوا يتقربون ببعض أفعال الحج والعمرة إلى الأصنام. فخصهما بالذكر حثًّا على الإخلاص فيهما” (تفسير الراغب الأصفهاني 1/412).

تحقيق العبودية وتعظيم شعائر الله

عندما يستجيب العبد نداء الله تعالى بالحج، ويقوم بأركانه وواجباته من لبس الإحرام والطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة والوقوف بعرفة والإقامة في منى في أيام التشريق، فإنما ينقاد بذلك لأمر الله تعالى تعالى ويحقق عبوديته التامة له سبحانه وتعالى. وهذه الأعمال المذكورة من أعلام دين الله تعالى وشعائره. وقد أمر الله تعالى تعظيم هذه الشعائر حيث قال: ﴿ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾ (الحج:32). فقد بين الله تعالى في هذه الآية أن تعظيم العبد لهذه الشعائر من علامات التقوى، وما شُرِعت العبادات إلا لحقيق التقوى.

التذكير بمبدأ المساواة

يظهر هذا المبدأ في كثير من شعائر الإسلام؛ كالصلاة والصيام، ويتجلى في شعائر الحج. حيث يظهر الجميع في اللباس نفسه، ويتحركون ويسكنون في الوقت نفسه. قال تعالى: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم﴾ (البقرة:199). ومما قيل في سبب نزول هذه الآية (ينظر القرطبي) ما روي عن عائشة أم المؤمنين قالت: “كان الناس يفيضون من عرفات، وكان الحمس يفيضون من المزدلة، يقولون: لا نفيض إلا من الحرم، فلما نزلت ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس رجعوا إلى عرفات﴾ (مسلم). وقال سيد قطب: “إن الإسلام لا يعرف نسبًا، ولا يعرف طبقةً، إن الناس كلهم أمة واحدة، سواسية كأسنان المشط. لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى” (في ظلال القرآن).

التربية على ملازمة ذكر الله

وردت نصوص كثيرة في كتاب الله عز وجل تحث على ذكر الله تعالى في مناسك الحج. من أكثرها تأكيدًا على هذا الأمر وروده في ثلاث آيات متواليات في سورة البقرة. قال تعالى: ﴿فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين. ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم. فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرًا﴾ (البقرة:198-200). تكرار الأمر بالذكر في هذه الآيات دليل على أنه يُطالب الحاج أن يتربى في مناسك الحج على الذكر، وأن يحافظ عليها فيرجع إلى أهله ذاكرًا شاكرًا حامدًا مهللًا مكبرًا، لا يزال لسانه رطبًا بذكر الله.

تذكر الموت والاستعداد ليوم الحشر

يتذكر الحاج وهو في ملابس الإحرام اليومَ الذي يرحل فيه عن الدنيا. يوم لا يلبس الأكفان المشابهة لملابس الإحرام بنفسه، بل يُلبسه غيرُه. وعندما يرى جموع الحجيج تتجمع في عرفات أو في منى، يتذكر يوم الحشر، يوم يجمع الله الخلائق ليوم الجمع، ذلك يوم التغابن. فأمره الله تعالى بالتزود لذلك اليوم بعد أن أمره بالتزود بما يعينه على أداء الحج براحة البال. قال تعالى: ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾ (البقرة:107). قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: “أمر الحاج بأن يتزودوا لسفرهم، ولا يسافروا بغير زاد. ثم نبههم على زاد سفر الآخرة، وهو التقوى. فكما أنه لا يصل المسافر إلى مقصده إلا بزاد يُبلِّغه إياه، فكذلك المسافر إلى الله تعالى والدار الآخرة، لا يصل إلا بزاد من التقوى. فجمع بين الزادين” (إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان 1/58).

التعاون والوحدة بين أفراد الأمة

تتجلى روح التعاون في التعارف بين الحجاج بين أقطار مختلفة وما قد ينتج من هذا التعارف من مصالح متبادلة ومكاسب تجارية. ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم﴾ (البقرة:198). قال الإمام السعدي: “أخبر تعالى أن ابتغاء فضل الله بالتكسب في مواسم الحج وغيره ليس فيه حرج إذا لم يُشغل عما يجب” (السعدي:92). وتتجلى روح الوحدة من اجتماع الأمة بهذه الأعداد الكبيرة مع اختلاف أشكالهم ولغاتهم على توحيد الله وعبادته.إن هذا الحدث يترك مردودًا نفسيًا واجتماعيًا كبيرًا في قلوب الحجاج. إن الدرس العظيم الذي ينبغي أن يرجع به كل حاج هو أن يشعر أنه من أمة مصطفاة خُيِّرت على سائر الأمم، وهُدِيت لأفضل السبل. وأن هذه الأمة وإن بدت مختلفة إلا أنها تأوي إلى ركن شديد من العقائد والشرائع والأخلاق. ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ (آل عمران:110). وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى