مقالات
أخر الأخبار

التسامح الديني في زمن رسول الرحمة .. بقلم محسن القاسمي

التسامح الديني في زمن رسول الرحمة المهداة والنعمة المجزات والسراج المنير صلوات ربي وسلامه عليه

-بقلم محسن القاسمي

التسامح هذا المصطلح الذي يوحي بزكاء النفس البشرية وطيب معاشرتها، فبالتسامح تحيا الشعوب وتتآلف النفوس وتتآخى ،والتسامح هو مصدر العيش الكريم والوعي السليم ونبل النفس ورقيها وأعظم من ضرب لنا أسمى وأجل

سياسات التسامح الديني وأرقاها هو نبينا محمد صلوات ربي وسلامه عليه،ففي عهد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وبالتحديد عام الوفود،حين استقبل وفوداً مسيحية وبعث برسالة إلى أسقف نجران،حيث ذكر الباحث والمستشرق والوزير الروماني كونستانس جيورجيو ( المولود عام 1916) عن أوضاع أصحاب الديانات السماوية في ظل الحكم الإسلامي بالقول مستطردا:

(( …بالرغم من أن الإسلام عم الجزيرة العربية كلها في السنة التاسعة فإن محمداً لم يكره اليهود ولا النصارى على قبول دينه،لأنهم أهل كتاب.وقد جاء في رسالة محمد إلى أبي الحارث أسقف نجران أن وضع المسيحيين في الجزيرة بعد الإسلام تحسن كثيراً،حيث قال بنص الرسالة :

كتابه (صلى الله عليه وآله)لأبي الحارث علقمة أسقف نجران:

بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبي إلى الأسقف أبي الحارث وأساقفة نجران وكهنتهم ومن تبعهم ورهبانهم:أن لهم ما تحت أيديهم من قليل وكثير من بيعهم،وصلواتهم،ورهبانيتهم،وجوار الله ورسوله،لا يغير أسقف من أسقفيته،ولا راهب من رهبانيته،ولا كاهن من كهانته،ولا يغير حق من حقوقهم،ولا سلطانهم،ولا شئ مما كانوا عليه[على ذلك جوار الله ورسوله أبدا]ما نصحوا وصلحوا فيما عليهم غير مثقلين بظلم ولا ظالمين. وكتب المغيرة “.

المصدر:

الطبقات الكبرى 1: 266 وفي ط 1 / ق 2: 21 والبداية والنهاية 5: 55

فتشير هذه الرسالة إلى أن المسيحيين(وكذلك اليهود)في الجزيرة أحرار في أداء شعائرهم،ولن يزاحمهم من المسلمين مزاحم .

وأن كنائسهم ومعابدهم وصومعاتهم ستبقى كما هي،وأنهم أحرار في عباداتهم.ولن يزاح أحد منهم عن منصبه ومقامه،ولن يبدل شيئا.كما لم يبدل في مراسم دينهم،ما دام الأساقفة صادقين،ويعملون حسب تعاليم الدين.فمن أدى ذلك فإن له ذمة الله وذمة رسول صلى الله عليه و سلم،ومن منعه فإنه عدو لله ولرسوله .

وقد قدم في السنة التاسعة وفد من مسيحي نجران يرأسهم أبو الحارث الأسقف الأكبر،وعبد المسيح الأسقف،والأيهم رئيس القافلة،وحين أرادوا الدخول على النبي صلى الله عليه وسلم ارتدوا بدلاتهم الدينية الرسمية الكاملة،فأخذ سكان المدينة بهذه الثياب وبعد أن زاروا النبي صلى الله عليه وسلم سألوه أن يسمح لهم بأداء شعائرهم فأذن لهم أن يؤدوا صلواتهم في مسجد المدينة،فدخلوا واتجهوا صوب بيت المقدس»وتعبدوا هناك. .لا شك أن النبي كان يحترم المسيحيين احتراماً خاصاً،لأن القرآن ذكرهم وأكرمهم.وقد أشار الله تعالى إلى ذلك في قوله تعالى في سورة المائدة(الخامسة)في الآية ( 82  :

۞ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82)

وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83)

وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85)

هذا و يجدر القول بأن سياسة التسامح الديني التي اتبعها الرسول صلى الله عليه وسلم تجاه أصحاب الديانات الأخرى استلهمها من روح الإسلام،غدتفيما بعد_ قاعدة لخلفاء رسول الله،في ظل الحكم الإسلامي الذي ضم أمما مختلفة وأصحاب ديانات ظلوا يمارسون شعائرهم في ظل الحماية الإسلامية،وكان لسياسة التسامح تلك،بأن حظيت باحترام وتقدير المفكرين والمستشرقين المنصفين حيث يقول المستشرق ميشون:”إن الإسلام الذي أمر بالجهاد قد تسامح مع أتباع الأديان الأخرى وبفضل تعاليم محمد لم يمس عمر بن الخطاب المسيحيين بسوء حين فتح القدس وعقد مقارنة بين تسامح الإسلام وتعصب الصليبيين،في كتابه:تاريخ الحروب الصليبية:(إن الإسلام الذي أمر بالجهاد متسامح نحو أتباع الأديان الأخرى،وهو الذي أعفى البطاركة والرهبان وخدمهم من الضرائب وحرم قتل الرهبان_على الخصوص _لعكوفهم على العبادات ولم يمس عمر بن الخطاب النصارى بسوء حين فتح القدس..وقد ذبح الصليبيون المسلمين وحرقوا اليهود عندما دخلوها “.ويزيد الباحث نفسه في كتابه، سياحة دينية في الشرقص 31،،متحدثاً عن تاريخ العلاقات الإسلامية المسيحية،وكيف أن المسيحيين تعلموا الكثير من المسلمين في التسامح وحسن المعاملة،يقول:وإنه لمن المحزن أن يتلقى المسيحيون عن المسلمين روح التعامل وفضائل حسن المعاملة،وهما أقدس قواعد الرحمة والإحسان عند الشعوب والأمم،كل ذلك بفضل تعاليم نبيهم محمد“.

وكان لهذا التسامح أثره في أن يصبح الدين الإسلامي ديناً عالمياً،بدءاً من مراحله الأولى أيام الرسول صلى الله عليه و سلم في جزيرة العرب إلى أن عم أصقاعاً شاسعة،لقد ذهب الإسلام في بهذه السياسة إلى حدود بعيدة،ففي الهند مثلاً كانت الشعائر القديمة تقام في الهياكل والمعابد في ظل الحكم الإسلامي.دونما المساس بمعتقداتهم و طقوسهم.

هذا هو الإسلام الحق الذي حث عليه نبينا الأكرم وبين لنا مدى باستطاعة المسلم السوي أن يتأقلم ويتعايش مع مختلف الشعوب والأديان فصلى الله على معلمنا أسوتنا وأيقونتنا سيد الكونين والثقلين والفريقين من عرب ومن عجم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى