آخر الأخبارمقالات
أخر الأخبار

التقويم الهجري وعلاقته بهوية الأمة الاسلامية    

          التقويم الهجري وعلاقته بهوية الأمة الاسلامية    

بقلم الأستاذ: أبو صلاح الدين عبد القادر

تعتبر الهوية الحضارية لأمة من الامم هي القدر الثابت والجوهري والمشترك من السمات والقسمات العامه التي تميز حضارة هذه الأمة مع غيرها من الحضارات التي تجعل للشخصية القوميه طابعا تتميز به عن الشخصيات القوميه الاخرى. وباسم التعاون بين الشعوب والترحيب بالثقافات الأخرى لإثبات سماحة الإسلام، وإثبات أخلاق المسلمين للآخرين نتقبل هؤلاء، ونأخذ عنهم.

وهكذا ينادى بقضية الامتزاج اليوم، وأن العالم ما دام أصبح قرية واحدة إذاً نحن نحترم ما عند الآخرين، ونطلب منهم أن يحترموا ما عندنا، ولا نعتدي على عقائدهم ونطلب منهم أن لا يعتدوا على عقائدنا. وليت شعري ماذا سيفعل هؤلاء بقولـــــــــــــه تعالى:(وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ) 255 – 256، البقرة.

  • مفهوم الهوية:

يراُد بلفظ التأريخِ التقويمُ، وكذا العكس، وعند التأمّل نجد الاختلاف الدقيق بينهما؛ فالتقويم لغة بمعنى: تصحيحِ الخطأ أو الاعوجاج. واصطلاحا: تنظيم لقياس الزمن يعتمد على ظواهر طبيعيّة متكررة، مثل دورتي الشمسِ أو الأرض والقمر.

  • التقويم وحساب السنة:

إن الغرب اليوم لا يفهم سر اهتمام المسلمين بالماضي، في الوقت الذي يجب فيه الاهتمام بالمستقبل وليس الماضي؛ وذلك ما يستغرب له الغربي، لأن ما يهم الغرب هو المستقبل وليس الماضيأما علاقتها برأس السنة الهجرية، فهي الفروق الجوهرية التي بين الفكر الإسلامي والفكر الغرب، وبين الثقافة الإسلامية والثقافة الغربية، وبين المجتمع الإسلامي والمجتمع الغربي، بل الفرق بين الفكر الإنساني قبل الإسلام، وبين الفكر الإنساني بعد الإسلام. 

واختيار الشهر القمري للتأريخ الإسلامي، لتكون عملية التأريخ متناغمة مع التشريعات الإسلامية المنسجمة أساسا مع المنظومة الكونية، فعدة الشهور هي اثني عشر شهرا ، قال الله تعالى:(إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ….) 36، التوبة، وهذه الشهور قد تعلقت بها عبادات وتصرفات متنوعة في المجتمع. وبحكم أن العرب كانت تتصرف في التاريخ والأيام وتتحكم فيها وفق الأهواء والتشهي فيما يعرف بالنسيء (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ….) 37، التوبة، فترتب عن ذلك أن العرب أضحت تحج في غير موسم الحج وتحرم وتحلل خارج زمن الحل والحرمة الحقيقي، بسبب زحزحة الشهور عن مواقعها الصحيحة، فيما يعرف عندهم بالنسيء.

  • اعتماد التقويم الهجري:

التَقْوِيم معناه “جَعْل للزمن قيمة مَعْلُومَة” وهو نظام عدّ زمني يتم فيه توزيع السنة الى شهور وأسابيع وأيام لحساب التواريخ وتنظيمها لأغراض اجتماعية دينية، تجارية أو إدارية، بناء علي موقع الأرض في دورانها المتكرر حول الشمس ودوران القمر حول الأرض. وقد وَضعت العديد من الحضارات والمجتمعات تقاويمَ تناسب احتياجاتها، وكانت نتاج قرون عديدة من الدراسة الدؤوبة في علم الفلك والرياضيات، والتجارب المستمرة المعتمدة على المحاولة والخطأ.

واعتماد الهجرة للتأريخ الإسلامي كان لأهمية موقع حدث الهجرة في سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعلاقة ذلك بمضامين هذه الرسالة التي قلنا إنها فاصل بين العالمين، القديم والجديد. وكانت الهجرة في ربيع الأول من السنة الأولى التي تأسس فيها المجتمع الإسلامي الذي نشأ بمؤسساته في المدينة المنورة، انطلاقا من حدث الهجرة إليها.

وليس معنى الأخذ بالأسباب الاعتماد عليها بل الطريقة المثلى في التصور الاسلامي أن يقوم المسلم بالأسباب كأنها كل شيء في النجاح ثم يتوكل على الله كأنه لم يقدم لنفسه سببا ولا أحكم خطة ولا سد ثغره. وإن هجرة المسلمين كانت من صنعهم وبرغبتهم وتطلعهم الى ثواب الله تعالى.

فلا يُصام الليل ولا يقام النهار، ناهيك عمَّا افترضه عليهم من عبادات موقوتة لا تصح في غير وقتها كالصلاة والحج، قال تعالى:  (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)  189،البقرة.

دلت الدراسات أن عالمنا الأرض و كل ما حولنا من نجوم وأفلاك ومجرات في حركةٍ دائبة مِصداقًا لقوله تعالى: (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ  وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) 40 ،يس.

  • بداية اعتماد التقويم الهجري:

التقويم الهجري القمري، أو التقويم الإسلامي، هو تقويم قمري محض يعتمد على دورة القمر ورؤية التدريج في حجم وشكل القمر لتحديد الأشهر، ويستخدمه المسلمون خصوصاً في تحديد المناسبات الدينية،وهو التقويم الرسمي للمملكة العربية السعودية التي تؤرخ به على المستويين الرسمي والشعبي .

لم يكن التاريخ السنوي معمولاً به في أول الإسلام حتى كانت خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ففي السنة الثالثة أو الرابعة كتب إليه أبو موسى الأشعري إنه يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ، فجمع عمر الصحابة رضي الله عنهم فاستشارهم فقيل أن بعضهم قال: أرخوا كما تؤرخ الفرس بملوكها كلما هلك ملك أرخوا بولاية من بعده فكره الصحابة ذلك، فقال آخرون: أرخوا كما تؤرخ الروم ولكنهم كرهوا ذلك أيضاً، لأن الفرس والروم ليسوا من المسلمين الفرس عباد النيران والروم نصارى أصحاب صليب، فكره الصحابة رضي الله عنهم أن يوافقوا هؤلاء وهؤلاء، ثم قال بعض الصحابة: أرخوا من مولد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقال آخرون: أرخوا من مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال قوم آخرون: أرخوا من مهاجر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وخلاصة القول أن التقويم القمري تقويم رباني سماوي كوني توقيفي قديم قِدَم البشرية ليس من ابتداع أحد الفلكيين، وليس للفلكيين سلطان على أسماء الشهور العربية القمرية، ولا على عددها أو تسلسلها أو أطوالها، وإنما يتم كل ذلك في حركة كونية ربانية، فلذلك يعتبر التقويم الهجري الفيصل بين الحضارة الاسلامية والحضارات الأخرى التي عرفتها المعمورة.كما أن للإنسان هوية كذلك للمجتمع والأمم هوية. فهناك مجتمع إسلامي، ومجتمع علماني، وهناك النصراني، وأيضا الشيوعي والرأسمالي. ولكل منها مميزاتها وقيمها ومبادؤها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى