آخر الأخبارمقالات
أخر الأخبار

الحساب الفلكي وإثبات الصيام والفطر

الحساب الفلكي وإثبات الصيام والفطر

-أبو أنس اسماعيل

          إن الشريعة الإسلامية السمحة حين فرضت الصوم في شهر قمري ـ شرعت في إثباته الوسيلة الطبيعية الميسورة والمقدورة لجميع الأمة، والتي لا غموض فيها ولا تعقيد،والأمة في ذلك الوقت المناسب لها هي رؤية الهلال بالأبصار.

فعن أبي هريرةَ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”صوموا لرؤيته – أي الهلال – وأفطروا لرؤيته فإن أغبى عليكم فأكملوا عِدَّةَ شعبان ثلاثين“،(متفق عليه)،معنى أغبى: من الغباء وهو الغبرة في السماء.

       وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان فقال :”لا تصوموا حتى تروا الهلالَ، ولا تُفطروا حتى تروه، فإن غَمَّ عليكم فاقدروا له”،(متفق عليه)، ومعنى غم: أي أخفي وغطي بسحاب أو غير ذلك وهذا رحمةً بالأمة.

    من طرق إثبات دخول رمضان:

أثبتت الأحاديث الصحاح أن شهر رمضان يثبت دخولهُ بواحدة من ثلاث طرق:

1رؤية الهلال:وهي الرؤيةُ،فقد اختلف فيها الفقهاء:أهي رؤية واحد عدل، أم رؤية عدلين اثنين، أم رؤية جم غفير من الناس؟

  • شهادة عدل واحد،من قال به استدلَّ بحديث ابن عمر،قال :(تراءى الناس الهلال، فأخبرت النبي أني رأيته، فصام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر الناس بصيامه)،رواه أبو داود ، و الدارقطني و البيهقي بإسناد صحيح على شرط مسلم،
  • الرؤية عدلين، مَنْ اشترط ذلك استدل بما روى الحسين بن حريث قال: خطبنا أمير مكة الحارث بن حاطب، فقال 🙁 أمرَنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن ننسكَ لرؤيته، فإن لم نَرهُ فشَهدَ شاهدان عدلانِ نَسَكْنا بشهادتيهما)،رواه أبو داود ،ورجاله رجال الصحيح، والدارقطني.وقياسًا على سائر الشهود، فإنها تثبت بشهادة عدلين ..
  • الجم الغفير أو الجمع الكثير فهم الحنفية، وذلك في حالة الصحو، فقد أجازوا في حالة الغيم أن يشهد برؤيته واحد، إذ قد ينشقُّ عنه الغيم لحظة فيراه واحد، ولا يراه غيره من الناس. ولكن إذا كانت السماءُ مصحة، ولا سحابَ، ولا حائل، فما الذي يجعل واحدًا من الناس يراه دون الآخرين؟ الظاهر في غلطه.

2أو إكمال عدة شعبان ثلاثين: سواء كان الجو صحوًا أم غائمًا،فإذا تراءوا الهلال ليلة الثلاثين من شعبان ولم يره أحد، استكملوا شعبان ثلاثين .

وهنا يلزم أن يكون ثبوت شعبان معروفا منذ بدايته،حتى تعرف ليلة الثلاثين التي يتحرى فيها الهلال، ويستكمل الشهر عند عدم الرؤية. وهذا أمرٌ يقع فيه التقصير غاليا.وينبغي على الأمةِ التدقيق في إثبات الشهور كلها؛ لأن بعضها مبني على بعض.

3أو التقدير للهلال:هي التقدير للهلال عند الغيم،أو كما جاء في الحديث:”إذا غمَّ عليكم”أو”غمي عليكم”أو”غبي عليكم”أي حال دونه حائل:”إذا غم عليكم فاقدروا له”،رواه البخاري،فما معنى”اقدروا له”؟

     معناه:قدروه بحسب المنازل، وقال أبو حنيفة والشافعي وجمهور السلف والخلف: قدروا له تمام العدد ثلاثين يومًا .قال ابن العربي أن قوله :”فاقدروا له”: خطاب لمن خصه الله بهذا العلم، وأن قوله : “أكملوا العدة ” خطاب للعامة.

     واختلاف الخطاب باختلاف الأحوال أمر وارد، وهو أساس لتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والحال،ولا مانع أن يأتي طور على الأمة تعتمد الحساب الفلكي العلمي الذي عرفه المسلمون في عصور ازدهار حضارتهم، وبلغ في عصرنا درجة من الرقي تمكن بها البشر من الصعود إلى القمر؛خاصة انه أصبح من  المعروف عالميًا اليوم:أن احتمال الخطأ في التقديرات العلمية الفلكية اليوم هو نسبة 1 – 00000 1 في الثانية!!.و أصبح العالم ككل “قرية كبرى” ! ونقل الخبر لا يستغرق ثواني معدودة. !!.

     وقد ذهب بعض كبار العلماء في عصرنا إلى إثبات الهلال بالحساب الفلكي العلمي القطعي، وكتب في ذلك المحدث الكبير العلامة أحمد محمد شاكر – رحمه الله – رسالته،في” أوائل الشهور العربية:هل يجوز إثباتها شرعًا بالحساب الفلكي؟ ” ومن المنادين بهذا الرأي في عصرنا الفقيه الكبير الشيخ مصطفى الزرقا – رحمه الله.

      إن الذي نعنيه هو ما يقرره علم الفلك الحديث، القائم على المشاهدة والتجربة، والذي غدا يملك من الإمكانات العلمية والعملية “التكنولوجية “ما جعله يصل بالإنسان إلى سطح القمر، ويبعث بمراكز فضائية إلى الكواكب الأكثر بعدًا، وأصبح من أسهل الأمور عليه أن يخبرنا عن ميلاد الهلال فلكيًا، وعن إمكان ظهوره في كل أفق بالدقيقة والثانية، لو أردنا .

رؤيــــة الهـــــلال

وسيلة متغيرة لهدف ثابت

         بالتأمل في الحديث الصحيح المشهور:(صوموا لرؤيته- أي الهلال- وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فاقدروا له) وفي لفظ آخر (فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)فالحديث الشريف أشار إلى هدف، وعيّن وسيلة .

       الهدف: أما الهدف من الحديث فهو واضح بيِّن،وهو أن يصوموا رمضان كله،ولا يضيعوا يومًا منه، أو يصوموا يومًا من شهر غيره، كشعبان أو شوال، وذلك بإثبات دخول الشهر أو الخروج منه، بوسيلة ممكنة مقدورة لجمهور الناس،لا تكلفهم عنتًا ولا حرجًا في دينهم.

      الوسيلة:والوسيلة الرؤية بالأبصار ،وهي السهلة و المقدورة لعامة الناس في ذلك العصر، فلهذا جاء الحديث بتعيينها؛ لأنه لو كلفهم بوسيلة أخرى لأرهقهم من أمرهم عسرا، واللَّه يريد بأمته اليسر ولا يريد بهم العسر.

      فإذا وجدت وسيلة أخرى أقدر على تحقيق هدف الحديث، وأبعد عن احتمال الخطأ والوهم في دخول الشهر، وأصبحت هذه الوسيلة ميسورة جدا على الأمة، حيث بلغ العلم البشري مبلغًا مكّن الإنسان أن ينزل على سطح القمر، فلماذا نجمد على الوسيلة – وهي ليست مقصودة لذاتها – ونغفل الهدف الذي نشده الحديث ؟

      فكيف يتصور أن يرفض وسيلة لا يتطرق إليها الخطأ أو الوهم ، وبلغت درجة اليقين والقطع، ويمكن أن تجتمع عليها أمة الإسلام في شرق الأرض وغربها، وتزيل الخلاف الدائم والمتفاوت في الصوم والإفطار والأعياد؛ إلى الوحدة المنشودة في شعائرها وعباداتها، المتصلة بأخص أمور دينها، وألصقها بحياتها وكيانها الروحي، وهي وسيلة الحساب القطعي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى