مقالات

السيرة النبوية ومسألة حقوق الإنسان .. بقلم المهندس صالح بكلي .

السيرة النبوية ومسألة حقوق الإنسان*

بقلم المهندس صالح بكلي

لقد وجد سيدنا محمد ﷺ المجتمع العربي والإنساني عموما غارقا في الجهالة، ممارسا للظلم بكل أنواعه، فقد كانت المرأة وضيعة الشأن توأد بنتا وتغتصب فتاة، وتورث أرملة وكان الإنسان يسترق نتيجة الحروب المتكررة، ويتحول في لحظات من حر إلى عبد، فيباع في الأسواق، فتهدر إنسانيته بأبخس الإثمان وبسلب مصيره إلى الأبد…كان الجهل متفشيا، والربا مستفحل والزنا معلن، لكن أشد الظلم أن الحجارة كانت تعبد من دون الله يذل الإنسان نفسه أمامها. ليل نهار.

كيف استطاع سيدنا محمد معالجة هذه المشكلات التي سادت في مجتمعه لقرون طويلة حتى صارت عرفا مجتمعيا مؤصلا؟

أدرك سيدنا محمد ﷺ بإرشاد من الله أن هذه المشاكل لا تحل بأوامر ونواه أو عقوبات مسلطة، دون تأسيس مفاهيم تستند عليها منظومة قيم، والتي تجعل الناس أكثر حساسية للظلم وأسرع استجابة للتغير، نزل القرآن في العهد المكي الأول بآيات عديدة يبين تكريم الله للإنسان ابتداء من قصة الخلق واسجاد الملائكة لأدم وتسخير الكون له وأن انزال الإنسان إلى الأرض كان تزول تكليف واستخلاف، وليس نزول عقوبة أو طرد، وكان سيدنا محمد ﷺ يتلو آيات التكريم “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا” (الإسراء 70)  (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) الحجرات: 13 وكان الناس حينئذ في بيئة طبقية شديدة المقاومة  فكان لابد لهذه المنظومة الجديدة من حوافز ودوافع تستند إلى محبة الله ونيل الجنة ونصرة دين الإسلام الجديد.

لكن هل تكفي القناعات الجديدة لكسر ظاهرة العبودية؟

رغم أن الصحابة الأوائل اندمجوا مع إخوانهم العبيد ولم ينفصلوا عنهم، وكانت جلسات التربية في دار الأرقم بن أبي الأرقم أفضل تدريب عملي لرفع التمييز، إلا أن الله عز وجل أراد أن يعلن للعالم ميلاد هذا المجتمع الإنساني الجديد، فكان يحض سيدنا محمد ﷺ على الجلوس إليهم، وعدم البعد عنهم، مع ما يمثل هذا الأمر من نفور زعماء قريش من دين الله والابتعاد عنه وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا 28 الكهف…

وبعد الهجرة بدأ سيدنا محمد ﷺ يكلف الكفاءات من العبيد والموالي في مناصب مهمة، فقد أمر سيدنا زيد بن حارثة الذي كان عبد مسترقا في مكة ثم مولى لسنين طويلة على قيادة الجيوش مرات كثيرة، وفيها من الأشراف العدد الكبير، ويتخذ سلمان الفارسي مستشارا له ومازالت اغلال العبودية تكبله، ويكلف سيدنا بلالا العبد الحبشي بمنصب المؤذن وبصعود الكعبة المشرفة يوم النصر الأعظم في مشهد صادم قوي، يعلن فيه للجميع بنهاية عهد الامتهان …..

غير أن الرق ما زال منتشرا في المجتمع، بل يزداد تفشيا يوما بعد يوم نتيجة الحروب المفروضة على المسلمين، والعبد مهما كان مكرما مازال مسلوب الإرادة، منقوص الإنسانية.

كيف يمكن لسيدنا محمد ﷺ أن يحرر كل العبيد؟

لا يمكن للمجتمع أن يرتقي مادام فيه ظلم و سلب حقوق أو بشر مقيدون و كلما تخلص الناس من ذلك سموا و ارتفع شأنهم بين الأمم مثلهم في ذلك كمثل منطاد الهواء كلما تخلص من أثقاله ارتفع في السماء مُلحقًا، فلما كان الفكاك من الأسر أمرا مُكلفا، ولا ينبغي تركه لأريحة الفضلاء فقد دعت الشريعة إلى عتق الرقاب بوسائل شتى تعزيرا فقهيا أو ترغيبا أخرويا أو إلزاما تعبديا أو ممارسة مجتمعية، من تكفير للذنوب ككفارة القتل الخطأ، أو قضاء رمضان لمن أفطر عمدا، أو حانتا في اليمين، وغيرها أو عتقا لوجه الله عز وجل وهي من القُربات العظيمة التي حث عليها سيدنا محمد ﷺ  فقد  قَالَ ﷺ: أَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا، اسْتَنْقَذَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ.1، وزاد في الأمر وجعلها من مصاريف الزكاة الواجبة على الأفراد و الدولة وندب الناس أيضا في مساعدة إخوانهم في الفكاك من الأسر كما في قصة مكاتبة سيدنا سلمان الفارسي.

هل يمكن إيقاف هذا المرض؟

ولما كانت الحروب والصراعات تغذي الرق وتقويه، ولما كان إنهاء النزاعات في الدنيا أمرا غير واقعيا، فقد أرسى سيدنا محمد ﷺ في الحرب مبادئ إنسانية كمبدأ المن وهو فداء الأسرى بدون مقابل وطبقه مرارا، فقد أطلق سرح قبيلة بني المصطلق بأكملها بعد أسرها، وعفا على المغيرين عليه في الحديبية و من على الألاف من نساء وأطفال قبيلة هوازن بحنين وعفا عن أهل مكة يوم الفتح بعد أن أمكن منهم وعفا عن أعداءه وقبل بفداء المحاربين منهم بأيسر الأسباب، وأمر بالإحسان إلى الأسرى والتكفل بهم إطعاما 2و إيواء وكسوة.

ومازال سيدنا محمد ﷺ يوصي بالمستضعفين إلى أخر لحظة من حياته، فعن أم سلمة: أن رسول الله ﷺ كان يقول في مرضه الذي توفي فيه: الصلاة وما ملكت أيمانكم، فما زال يقولها حتى يفيض بها لسانه3  

الخلاصة

استطاع سيدنا محمد ﷺ بإرشاد من الله، أن يخلص مجتمعه من إحدى أصعب المشكلات في ذلك الحين، في بيئة عنصرية طبقية صعبة التغيير، تستقيد من هذه المظالم، من خلال خطة شاملة واقعية، وفق خطوات هذا المخطط:

شعور +وعي بالظلم  
دعم التغيير بالتشريع الإلهي الدائم أوامر ونواهي وتحفيزات-أنظمة الردع….    
بناء منظومة مفاهيم وقيم بديلة جديدة
تعزيز المنظومة بالحافز الرباني وبالرقابة الذاتية  
اقدام النخب على رفع الظلم
التخفيف من أصل المشكلة العتق + المكاتبة+ الفداء+ المن والعفو عن الأسر+…  
إشراك الناس في محاربة الظلم

 

————————————————-

*/ اخدت أفكار ونصوص هذه المقالة من الدرس التاسع للمنهاج التفاعلي للسيرة النبوية، الجزء الثاني “الرسول وإدارة المجتمع” تأليف الكاتب

[1] أخرجه البخاري برقم : 2333 (كتاب العتق)، ومسلم برقم: 2776 (كتاب العتق)

(02)وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً* الاية 08 -الإنسان

(03)سنن ابن ماجه/كتاب الجنائز حديث 1693.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى