مقالات
أخر الأخبار

الشيخ محمود بوزوزو..مؤسّس الكشافة الإسلامية ورائد الحركة الإصلاحية الجزائرية

الشيخ محمود بوزوزو..مؤسّس الكشافة الإسلامية ورائد الحركة الإصلاحية الجزائرية

يعدّ الشّيخ محمود بوزوزو إمامًا ومجاهدًا وعالمًا أحد رواد الحركة الإصلاحية الجزائرية، عاصر رموزها كالإمام ابن باديس والبشير الإبراهيمي وأحمد سحنون، ناضل بمواقفه القومية والّتي بسببها لاقى جملة من المتاعب حيث سجن وعذّب ثمّ هجّر. ومن ثمّ ذهب إلى المنفى في المغرب، ثمّ إلى أوروبا قبل أن يستقرّ في جنيف حيث كرّس حياته لخدمة الجالية المسلمة والمجتمع السويسري هناك، فقام بتعليم اللغة العربية والتعريف بالدّين الإسلامي السّمح.

المولد والنشأة

ولد الشيخ محمود بوزوزو في الثالث والعشرين من فبراير 1918م في ولاية بجاية (القبائل الصغرى)  في بالجزائر.

الدراسة والتكوين

ترعرع الشّيخ محمود في مدينة بجاية، وفيها درس وتلقّى العلم على يد علمائها، وحصل على إجازة في الفقه. حيث بدأ رحلته التّعليمية بالمدرسة الفرنسية الإسلامية، وأيضًا تمدرس على يد الإمام عبد الحميد بن باديس، وكان من بين الطلاب المتحمّسين لأفكاره.

الوظائف والمسؤوليات

لعب الشّيخ بوزوزو دورًا أساسيًا في تدريب الشّباب الجزائري خلال الحقبة الاستعمارية في المغرب العربي وفي الجزائر خاصة. ورأى لأوّل مرّة الخيانة من المقاتلين إخوانه، ممّا جعله يعاني من ويلات التّعذيب حدّ الموت عدّة مرّات.

كان كأب روحي في الكشافة الإسلامية والحركة الطلابية هناك. وعمل صحفيًا مناضلًا من أجل الحرية والدفاع عن الوطن، وأصدر فيما بين عامي 1951م و1954م مجلة “المنار” الّتي كانت مشعلًا من مشاعل الكفاح الجزائري في وجه الاستعمار الفرنسي، ممّا جعله يدفع ثمنًا باهظًا من جرّاء أفكاره النّضالية، الّتي كانت سببًا في سجنه بالمغرب، مع أصدقاءه وطلابه.

اشتغل في التّدريس والصحافة والإمامة إلى أن عُيِّن إمامًا خطيبًا لمسجد جنيف “الملحق بالمؤسسة الثقافية الإسلامية” (أوّل مركز إسلامي في أوروبا)، الّتي افتتحها العاهل السعودي الملك خالد رحمه الله ورئيس  الإتحاد السويسري عام 1978م. كما اشتغل أستاذًا للغة العربية عقدين من الزّمن في مدرسة الترجمة بجنيف، ولدى الأمم المتحدة.

كلّ هاته الظروف القاسية والرحلة المليئة بالمخاطر والمشاق الّتي مرّ بها الشّيخ محمود بوزوزو، جعلت منه جوهرة نادرة في عالم النّضال والكفاح من أجل القضايا العادلة،  بالرّغم  من القيود  المطبقة عليه.

صفاته ومناقبه

مناقب الشّيخ محمود بوزوزو لا تنتهي، فقد كان ضليعًا في اللغة الفرنسية ومتبحّرًا في اللغة العربية، وقدوة يُحتذى بها لغيره، وصف بالحكمة ورجاحة العقل، يعطي الأمور حقّها. ولا يعرف في الحقّ لومة لائم في داخل المسجد وخارجه.

من سماته أنّه كان رجلًا طيّبًا وشخصًا منفتحًا، ويتّصف بالحكمة وثقافته المزدوجة الغزيرة بالمعرفة. ويُعدّ المفتي الأكبر للجميع في زمانه، بالرّغم من تعدّد المدارس الفقهية والعقدية واختلاف العادات والتّقاليد في البلاد الأوروبية.

كان الشّيخ بوزوزو رجلًا مختصًا في علم الأديان، لغويًا متمكنًا، عالمًا إسلاميًا، وصحفيًا متميّزًا، وكان معروفًا بثقافته الواسعة وإحساسه بروح المسؤولية، وفرض احترامه على الجميع، حتّى من قبل ألدّ خصومه. كان لا يترك مناسبة ولا حدثًا هامًا يمسّ المسلمين إلّا ويعلّق عليه وينصح المسلمين وغيرهم. فعن حادثة الرسوم الكاريكاتورية الدانماركية المسيئة للإسلام، علّق الشّيخ بوزوزو حينها بالقول: أنّ هذه الأزمة تكشف عن وبائين يهدّدان الإنسانية وهما: الظّلم تجاه الآخر والجهل بالآخر. وقال: «الحكمة تتطلّب منّا أن نتذكّر ونؤكّد أنّ اختلافنا يشكّل كنزًا يتيح لنا فرصة فريدة لإثراء بعضنا البعض. وبذلك نقوم ببناء جسور التّقارب». مضيفًا أنّه «من واجب كلّ فرد منّا، مهما كانت قناعاته، أن يبذل جهدًا ليس فقط لمعرفة الآخر، ولكن أيضًا الاعتراف بها وتحقيق العدالة في جميع الظروف».

التوجه الفكري

كان الشّيخ بوزوزو من رواد الحركة الوطنية ومجاهدي الثورة، وهو من مؤسّسي حركة الكشافة الإسلامية بالجزائر، وكان مرشدًا عامًا لها في منتصف الأربعينيات.

وشارك الشّيخ محمود في بعض ملتقيات الفكر الإسلامي بصفته ممثلًا للجالية المسلمة في سويسرا.

شهادة الشّيخ مهاجري

كان الشّيخ محمود بوزوزو رحمه الله تعالى في تواصل مستمرّ مع الشّيخ مهاجري زيان بصفته إمام خطيب المسجد الكبير بجنيف.

ويروي لنا الشّيخ مهاجري زيان أنّه كان يزوره من حين لآخر في مكتبه، ويَطلب منه النُّصح عندما عُيِّن كإمام للمسجد الكبير بجنيف، ويسرد له الشّيخ محمود حينها عن معاناته أثناء فترة إمامته للمسجد والظروف الصعبة الّتي مرّ بها ويمدّه بعصارة خبرته الطويلة هناك.

ويؤكّد الشّيخ زيان أنّ الشّيخ بوزوزو رحمه الله كانت لديه مكتبة كبيرة تفيض بالكتب القيّمة، وكانت الزيارات والمقابلات لا تتوقف من طرف الطلبة والأصدقاء، فيجيب خلالها عن الأسئلة فيما يخصّ أمور دينهم وباقي الدّيانات الأخرى، وتاريخ العالم الإسلامي وحضارته.

ويستطرد قائلًا: (لا أستطيع أن أصفه أو حتّى أن أوفي له حقّه، فقد كان موسوعة بأكملها، بل مكتبة متنقلة تزخر بكلّ ما فيها من العلوم).

ويذكر الشّيخ مهاجري زيان أنّ الأمين العام للكشافة الإسلامية الجزائرية قد اتصل به طالبًا منه إبلاغ الشّيخ بوزوزو بنية تكريمه في الجزائر، لكن وبعد اتصال الشيخ مهاجري بعائلة الشيخ بوزوزو قالوا له أنّ حالته الصحية لا تسمح له بالسفر، وكان هذا في أيّامه الأخيرة.

وفاته رحمه الله

يروي بعض محبّي الشّيخ من الّذين عايشوا أيّامه الأخيرة في المستشفى، بقولهم: (كنّا نلاحظ أنّ هنالك مجموعة من الكتب والصحف بالقرب من سريره، ولكن في يومه الأخير، لم نلاحظها بجواره، كان فقط رحمه الله يُردّد آيات بيّنات من الذِّكر الحكيم، ويستمع إليها عبر المسجّل، حينها انتابنا شعور بدنو أجله).

رحل الشّيخ محمود بوزوزو عن عالمنا عن عمر ناهز 89عامًا، تاركًا ذكرى طيّبة وثمرات جهده شاهدة على ما قدّم. توفي رحمه الله يوم السابع والعشرين من سبتمبر عام 2007م في جنيف، ودُفن في المقبرة القديمة في مسقط رأسه ببجاية يوم الجمعة 5 أكتوبر من العام نفسه.

ونختتم بالدّعاء من الله تعالى أن يرحم الشّيخ محمود بوزوزو وأن يسكنه فسيح جنّاته إنّه وليّ ذلك والقادر عليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى