مقالات
أخر الأخبار

الطفولة ..مقاربة إسلامية

الطفولة ..مقاربة إسلامية

الأستاذ الدكتور الجيلالي شقرون

اعتنت الحضارة الإسلامية بالأطفال على مستوى حقوقه والأحكام المتعلقة به، ورعايته صحيا ونفسيا وتربويا واجتماعيا،واهتمت بالطفل في منحه حقوقا ثابتة حفاظا على حياته قبل ولادته وبعدها إلى أن يبلغ الحلم. والحق هو موضوع الالتزام أي ما يلتزم به الإنسان تجاه الله أو تجاه غيره من الناس. والحق أيضا عبارة عن الموجود من كل وجه وجودا لا شك فيه، ومنه هذا الدين حق،أي موجود بذاته صورة ومعنى، ولفلان حق في ذمة فلان أي شيء موجود من كل وجه، والحق ما ثبت في الشرع للإنسان منذ أن يرى النور. وحقوقه متعددة منها ما هو حسي كالرضاعة والحضانة، ومنها ما هو معنوي كاللعب والحب والعطف.

تطلق كلمة الطفل على الذكر والأنثى والجمع أيضا قال تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ  وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)  67، غافر.

واهتم الإسلام بالأطفال وخصص لهم حقوقا مختلفة ومتنوعة وهم نعمة من نعم الله على خلقه، ولم يهمل أي حق من شأنه أن يلحق ضررا بهم. ويبدأ حق الطفل في الشريعة الإسلامية قبل انفصاله عن أمه وخروجه للدنيا، بل حقوقه مكفولة منذ بداية الفكرة الزوجين في بناء الأسرة، حيث ندب إلى اختيار الزوجة والزوج الصالحين. فالقاعدة الأساسية لضمان حقوق الطفل – وخاصة الجانب النفسي منها –  يركز على العلاقة السليمة بين الزوجين ( الأب والأم) واختيار كل منهما للآخر  بطريقة شرعية، لأن الحمل من طريق غير مشروع زنا، والزنا نفسه فيه اعتداء على حق الطفل.

حقوق الطفل في الإسلام:

حق الطفل في الحياة:كفل الإسلام حق الحياة لكل إنسان حتى ولو كان كافرا قال تعالى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْولَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ  ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) 151، الأنعام.

حق الطفل في النسب:شرّف الله بني آدم على سائر المخلوقات بإثبات النسب.ونسب الطفل إلى أبيه فيه حماية له من الضياع و التشرد و المعرة فتصان كرامته.قال تعالى: (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ  وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) 5، الأحزاب. وورد في السنة النبوية عن سعد رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “من ادّعى لغير أبيه، وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام” البخاري.

حق الاستقبال وإظهار السرور به:من حقّ المولود أن يظهر والديه السرور بقدومه، لذا كانت البشارة بالمولود و التهنئة مستحبة. وإظهار السرور يشمل المولود الذكر والأنثى. قال تعالى:(يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرك بِغُلَامٍ اِسْمه يَحْيَ(7، مريم.

حق سلامة الطفل والنفقة أثناء الحمل: حرّم الدين الإسلامي الإجهاض أو تعريض الجنين لخطر مقصود يؤثّر على صحته ونموه باتباع التغذية السليمة، مراجعة الطبيبة في فترات الحمل. وإنفاق الوالد على ابنه في حمله و رضعته قال تعالى:( وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) 6، الطلاق.

حق الطفل في الاسم و الجنسية:من حق الطفل الحصول على جنسية والديه و في حالة الأطفال مجهولي الهوية يحصل الطفل على جنسية البلد الذي ولد فيها، وعلى الدولة له حق الرعاية.

حق الطفل في العقيقة:من مظاهر تعبير الوالد سروره بالمولود الجديد أن يذبح ذبيحة في اليوم السابع من ولادته إن كان قادر على ذلك، عنسمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال النـــــبي صلى الله عليه وسلم:” كلُّ غلامٍ مرتَهَنٌ بعقيقتِهِ تذبحُ عنْهُ يومَ السَّابعِ ويُحلَقُ رأسُهُ ويُسمَّى“.ابن ماجه

حق الرضاعة والنفقة: قرر الإسلام للطفل حق الرضاعة الطبيعية من حليب أمّه حولين كاملين(عامين) فالرضاعة تمد الطفل بالغذاء و تقوي الصلة العاطفية بينه وبين أمّه. والنفقة الأكل والملبس و توابعهما.

حق الطفل في الرحمة والحب والإشباع العاطفي: أوجب الإسلام على الوالدين أحاطه الطفل بجو الحب و الرحمة ليتحقق له الإشباع العاطفي. في حين أن الجو الأسري غير الملائم و المشحون بمواقف القسوة و الحرمان ينعكس على شخصية الطفل و يجعلها مضطربة. عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ “قَبّلَ الحسينُ بن عليِّ رضي اللهُ عنهُما والأقرعُ بن حابسٍ التَمِيمِيُّ جالسٌ فقال الأقرع : يا رسولَ اللهِ إنَّ لي عشرةً من الولدِ ما قبلت إنسانًا منهم قط قال فنظرَ إليه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال : إنَّ من لا يرحمْ لا يُرْحَم”.مسند أحمد

حق الطفل في الاسم الحسن: تستبشر طبيعة الإنسان بالاسم الحسن وترتاح إليه وتنفر من الاسم القبيح، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، “أنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ غَيَّرَ اسْمَ عَاصِيَةَ وَقالَ: أَنْتِ جَمِيلَةُ”.مسلم

حق الطفل في اللعب:يعتبر اللّعب للطفل حاجة فطرية وأساسية لا يمكن الاستغناء عنها فاللعب جزء من عملية البناء العقلي والجسمي، كما أنه الوسيلة التي تعمل على تطوير أنماط السّلوك للطفل، وتساعده على التفاعل الاجتماعي و التكيف و الانتماء.

حق الطفل في التربية والتأديب:فرض الإسلام على الآباء العناية بالطفل وتربيته التربية الصالحة و تأديبه بآداب  الدين الحنيف،عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ .و الراعي كما هو عليه حفظ من استرعى و حمايته والتماس مصالحه. فكذلك عليه تأديبه وتعليمه.

حق الطفل في العدالة و المساواة بينه و بين إخوته:أمر الإسلام الوالدين في المساواة في المعاملة بين الأبناء ذكور وإناثاً. عن النّعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم : “اتَّقُوا اللَّهَ، وَاعْدِلُوا في أَوْلَادِكُمْ.متفق عليه.

أحاط الإسلام بسياج قوي من التشريعات والآداب التي سبق ذكرها،  حتى يظل مصونا من أي عبث أو اعتداء أو بخس أو استغلال. وعلى المستوى العالمي يتعرض الأطفال لانتهاكات جسيمة،  فذكرت تقارير عام 2016 أن كل خمس دقائق يلقى طفل حتفه بسبب العنف، وفي العام 2017 سقط أكثر من أربعين ألف طفل ضحية لجرائم قتل، أما اليونيسيف فأشارت في تقرير لها أن 120 مليون فتاة تحت عمر العشرين تعرضن لاعتداء جنسي حول العالم، وهي حالة استمرت وأكدها تقرير صدر عن منظمة الصحة العالمية عام 2020 عن تعرض ما يقرب من مليار طفل للاعتداء والعنف بأشكاله المختلفة، ورغم أن أغلب دول العالم تقر تشريعات لحماية الأطفال إلا أن تنفيذها يقتصر على عدد قليل من تلك الدول. فالطفل فلذة كبدنا وجب علينا الاعتناء به لأنه سيقود جيله القادم نحو الرقي والتقدم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى