آخر الأخبارمقالات
أخر الأخبار

القرآن يحدثنا عن مريم عليها السلام

القرآن يحدثنا عن مريم عليها السلام

        من قصص القرآن القطعي ما حكاه عن السيدة مريم عليها السلام،حيث سمى القرآن الكريم سورة كاملة باسم مريم عليها السلام، وضمَّنها حيزاً واسعاً من قصة حملِها وولادتها لعيسى عليه السلام، كما تناولت بعض السور القرآنية الأخرى(آل عمران، والأنبياء، والتحريم) بعضا من قصة مريم عليها السلام.

         وقد جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قوله صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان، فيستهل صارخاً من نخسة الشيطان إلا ابن مريم وأمه)، ثم قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: {وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم} (آل عمران:36)، رواه مسلم.

        يبدأ حديث القرآن الكريم عن مريم عليها السلام بالإخبار بأنها نأت بنفسها عن أهلها في مكان بعيد، {واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا} (مريم:16)، ثم تمضي القصة لتخبرنا أنه سبحانه أرسل إليها جبريل عليه السلام متمثلاً بصورة رجل:{فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا} (مريم:17)، وكان رد فعل الفتاة أنها استعاذت بالله:{إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا} (مريم:18)، وكان جواب المَلك لها مطمئناً لقلبها: {إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا} (مريم:19)، فأجابته عليها السلام جواباً فطرياً ناظراً إلى الأسباب، فقالت: {أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا} (مريم:20)، غير أن المَلك أخبرها بأن خالق الأسباب والمسببات لا يعجزه شيء، وأن الغرض من خرق الأسباب، أن يجعل للناس آية يعتبرون بها: {كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا} (مريم:21).

      ثم إن المشهد القرآني يخبرنا أن إرادة الله سبحانه وقعت، وحملت مريم في بطنها جنيناً سيرى النور عما قريب:{فحملته فانتبذت به مكانا قصيا} (مريم:22).. فلما حملت لم تدر ماذا تقول للناس.

     ويمضي المشهد القرآني ليضعنا أمام مشهد مخاض الولادة الذي فاجأ مريم عليها السلام وهي وحيدة، ولا علم لها بشيء، ولا معين لها، فهي تتمنى لو أنها كانت قد ماتت:{فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا} (مريم:23). وفي أثناء صعوبة الموقف تقع المفاجأة الكبرى، {فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا} (مريم:24)،ثم يرشدها إلى طعامها وشرابها:{وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا} (مريم:25)، فالله سبحانه ولم يتركها، بل أجرى لها تحت قدميها ماء عذب، ونخلة تستند إليها، وتأكل منها،ويَدلها على حجتها وبرهانها:{فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا} (مريم:25).

         وفي مشهد آخر يخبرنا القرآن الكريم أن مريم الفتاة الطاهرة العفيفة، اتجهت إلى ربها تناجيه، وتتطلع إلى كشف هذا اللغز الذي يحير عقل الإنسان، فقالت:{رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر} (آل عمران:47)،

        وجاءها الجواب يردها إلى الحقيقة البسيطة:{قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} (آل عمران:47)، وحين يُرَدُّ الأمر إلى هذه الحقيقة الأولية يذهب العجب، وتهدأ النفس؛ وتعود مريم إلى نفسها تسألها في عجب: كيف عجبت من هذا الأمر الفطري الواضح القريب!!

          ثم ينتقل حديث القرآن عن مريم عليها السلام إلى مشهد جديد،إنه مشهد القوم الذين تنتسب إليهم، وهي الآن بينهم، تحمل طفلها، الذي هو فلذة كبدها. لكن ماذا سيقولون لها،{فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا * يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا} (مريم:27-28)، بيد أن مريم لم تتكلم،بل أشارت إلى وليدها، وكأن الله ألهمها أن هذا الوليد سوف ينطق بالحقيقة، {فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا} (مريم:29)،

         ثم يصور لنا المشهد القرآني الطفل وهو ينطق بحقيقة ما حدث،(قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا * وجعلني مباركا أين ما كنتوأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا * وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا * والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا} (مريم:30-33)، فهو أولاً وقبل كل شيء عبد لله، ولم يقل: أنا الله، ولا ابن الله، بل قال: {إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا}، إلى أن قال: {وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم} (مريم:36)، فقد أنطق الله الطفل؛ ليبين حقيقة العلاقة بين الخالق والمخلوق، والغاية من هذا الخلق الإنساني العجيب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى