آخر الأخبارالأخبار والأنشطةمقالات
أخر الأخبار

المسؤولية المشتركة لتحقيق الأخوة الإنسانية .

المسؤولية المشتركة لتحقيق الأخوة الإنسانية

المسؤولية المشتركة لتحقيق الأخوة الإنسانية هو عنوان ورقة قدمها رئيس الهيئة الأوروبية للمراكز الإسلامية الشيخ مهاجري زيان، في الثالث والخامس من فبراير 2019،  خلال المؤتمر العالمي للأخوة الإنسانية، وهو اليوم الذي تم فيه توقيع وثيقة الأخوة الإنسانية. 

وجاء في المداخلة:

ما أحوجنا إلى أن تكون حسب فهمنا ونظرتنا كلمة:”الأخوة الإنسانية التي جمعت الأنبياء والرسل أولا ..لتجمعنا نحن كلنا جميعا بني البشر ثانيا..بعض المسلمين يعتبر جهلا أنه لا وجود لأخوة خارج الإطار الديني، فيعترفون بأخوة الإيمان فقط.ودليلهم قول الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات:10]، وقوله عن المؤمنين: {فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً} [آل عمران: 103]. وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “المسلم أخو المسلم”[2].

نحن نتفق معهم بأن الأخوة الدينية القائمة على الإيمان،أنها أعمق أنواع الأخوَّات. وأنها فاقت أخوة النسب والدم عندنا أسلافنا.وأذابت كلَّ الفوارق بين الناس، من عنصرية ولونية وإقليمية ولغوية وطبقية،حتى تحقق فيهم وصف النبي صلى الله عليه وسلم(مثلُ المؤمنين في تَوادِّهم، وتَرَاحُمِهِم، وتعاطُفِهِمْ.مثلُ الجسَدِ إذا اشتكَى منْهُ عضوٌ تدَاعَى لَهُ سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى)رواه البخاري ومسلم فعن النعمان بن بشير – رضي الله عنه

   هذا صحيح لكن مع ذلك أن هذه الأخوة على قدرها ومكانتها في ديننا،لا تمنع من وجود أنواع أُخَر من الأخوَّات.مثل الأخوة الوطنية أو القومية أو الإنسانية.. والدليل على ذلك من القرآن الكريم قوله تعالى:

  • {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ} الشعراء:106.
  • {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ …} الشعراء:124،123.
  • {كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ} الشعراء:142،141.
  • {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ} الشعراء:161،160.
  • ü   {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً} الأعراف:85، هود:84، العنكبوت:36.

     فكلُّ هؤلاء الأقوام كذَّبوا رسلهم وكفروا بهم،ومع هذا عبَّر القرآن عن علاقة رسولهم بهم بأنها علاقة(أخوة){قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ}.وذلك لأن هؤلاء الرسل كانوا منهم،ولم يكونوا أجانب عنهم،فتربطهم أخوَّة قومية وإنسانية.فهذا يدلُّنا على أن الأخوة ليست دائما إيمانية،بل قد تكون وطنية أو قومية،أو إنسانية أو غيرها.

وإذا ثبتت الأخوة الإنسانية، فقد ثبت ما تقتضيه وتستلزمه من المحبَّة والمساواة والتضامن،إذ لا معنى للأخوة بغير هذا.وإعمال هذه الإخوة و الحفاظ على رابطتها واجنا جميعا و كلنا نتحمل مسؤولية إهمالها و إلغائها بحسب مكانته في المجتمع و قوة تأثيره، والإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه عندما ولى مالك الأشتر النخعي ولاية مصر،ومصر كان فيها المسلم و غير المسلم، أرسل له رسالة و قال له فيها:«وأشعر قلبك الرحمة للرعية،والمحبّة لهم ،واللطف بهم ،ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم ، فإنّهم صنفان:إمّا أخ لك في الدين ، أو نظير لك في الخلق،يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم العلل،ويؤتى على أيديهم في العمد و الخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب وترضى أن يعطيك الله من عفوه وصفحه،فإنّك فوقهم،ووالي الأمر عليك فوقك،والله فوق من ولاك!وقد استكفاك أمرهم،وابتلاك بهم»فكيف السبيل لإعمال هذه الأخوة الإنسانية والحفاظ عليها بما يحقق العيش المشترك،والتسامح الديني،والسلام الأهلي والمجتمعي …هذا هو الفهم السليم لنصوص الكتاب والسنة …  وحتى يكون الأمر كذلك وعلى أفضل وجه وأحسنه.

أرى أنه لابد من بعث ونشر أركان تحقق الأخوة الإنسانية في صورتها الجميلة والنبيلة.. انطلاقا من تأكيد: مكانة الإنسان عند الله،فالإنسان مخلوق مكرم، خلقه الله بيديه، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وميزه بالعقل، علمه الأسماء، سخر له ما في السنوات وما في الأرض جميعا منه ليحقق مهمة عبادة الله وعمارة الكون والحياة. وفق أساس “السلام” وهو الأساس الذي تبنى عليه العلاقة بين بني البشر جميعا..الله هو السلام،وتحيتنا السلام،والجنة دار السلام،فالمسؤولية المشركة بين الجميع دون استثناء، في تحقيق الأخوة الإنسانية وفق أركان أساسية:

وهذه الأركان يمكن إجمالها كالتالي:

  1. الركن الأول: الإيمان بوحدة الأصل الإنساني:

فمن المعاني التي قالها النبي محمد صلى الله عليه وسلم في خطبته الأخيرة..خُـــطبة حَــجة الوداع:(يا أيُّها النَّاسُ،إنَّ ربَّكم واحِدٌ،وإن أباكم واحد،ألَا لا فَضْلَ لعَرَبيٍّ على عَجَميٍّ”،والأعْجميُّ هو الذي لا يَتكلَّمُ العَرَبيَّةَ،”ولا لعَجَميٍّ على عَرَبيٍّ،ولا لأحمَرَ على أسْوَدَ،ولا لأسْوَدَ على أحمَرَ إلَّا بالتَّقْوى،إنَّ أكْرَمَكم عندَ اللهِ أتْقاكم” أَبَلَّغْتُ؟ قالوا:بلَّغت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم…).الأحاديث مبثوثة في الصحيحين وكتب السنن، وكلها صحيحة بفضل الله.فأصل البشرية ينتهي بالعبودية لله رباً وإلهاً، وبالبنوة لآدم عليه السلام. كما قال عليه الصلاة والسلام (يا أيُّها النَّاسُ، إنَّ ربَّكم واحِدٌ، وإن أباكم واحد،)فشعور المسلم بأخوته لبني البشر كلهم، عقيدة يدين لله بها، إنها تأتي بعد توحيد الله، والإقرار برسالة محمد عليه الصلاة والسلام.

  • والركن الثاني: الكرامة الإنسانية:

أي الكرامة لمطلق بني البشر،بصرف النظر عن الاختلاف في الدين أو اللون أو الجنس أو اللغة قال الله تعالى(۞ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا(70))سورة الإسراء  وجعل من آثار هذا التكريم أن الإنسان سيد في هذا الكون،سخرت له هذه الكائنات قال الله تعالى(وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚإِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(13))سورة الجاثية .

  فالإيمان بكرامة الإنسان، أيا كان دينه أو جنسه أو لونه، (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) وهذه الكرامة المقررة توجب لكل إنسان حق الاحترام والرعاية.

  • الركن الثالث:الإيمان بأن الاختلاف سنة كونية:

       في أساس العلاقة بين بني البشر،أن الاختلاف في العقائد، في الأديان،في اللغات،في الأجناس،في الأوطان،في الأعراق سنة كونية واقعة بمشيئة الله وقدرته ولا معقب لقضائه ولا راد لحكمه هكذا أراد الله،هكذا هي سنة الله في كل الكون،اختلاف الثمرات اختلاف الألوان،وكذلك البشر قال الله تعالى:( وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ (22)) سورة الروم .

      فالاقتناع بأن اختلاف الناس في الدين واقع بمشيئة الله تعالى،وهو الذي منح لخلقه:هذه الحرية وهذا الاختيار فيما يفعل ويدع:(فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ (29))سورة الكهف، واليقين أن مشيئة الله لا راد لها،كما أنه لا يشاء إلا ما فيه الخير والحكمة،علم الناس ذلك أو جهلوه،ولهذا لا يفكر المسلم أن يجبر الناس ليصيروا كلهم مسلمين أو على دينه،كيف وقد قال الله تعالى لرسوله الكريم:(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99)) سورة يونس.

  • الركن الرابع: التعارف:

 قال الله تعالى:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ (13)) سورة الحجرات أي ثمرة هذا الاختلاف( لِتَعَارَفُوا ۚ)لا لتناكروا..لا لتحاربوا..لا لتصادموا ..ومعنى كلمة لتعارفوا:

  • ليعرف بعضكم بعضا.
  • لتبذلوا المعروف والمصالح كثمرة لهذا التعارف.
  • لتحصلوا على العلم والمعرفة ثمرة لهذا التعارف.

  ولذلك البشر يتحركون في أرجاء الأرض، يسافرون يسيحون، يتعرفون على الأجناس وعلى المجتمعات يعرفون الثقافات ويستفيد بعضهم من بعض..

  • كما استفاد المسلمون الأوائل من حضارة فارس والروم أخذوا منهم تدوين الدواوين وصك العملة ونظام البريد وفكرة الخندق
  • وأخذ الأوروبيون من تراث المسلمين وعلومهم في الأندلس..

 هذا ما يسمى بالتفاعل الحضاري والثقافي ثمرة لهذا التعارف.

  • الركن الخامس:الجدال بالتي هي أحسن:

       إن السبيل لبيان الحق النقاش والحوار بالتي هي أحسن مع المسلمين وغير المسلمين..لأنه إذا كان هناك إختلاف نحتاج إلى أن نتحاور،

  • فهل نتحاور بالخصومة؟ هل نتحاور باستعمال القوة ؟

     أم أن الفكرة تعارض بالفكرة و الرأي بالرأي.قال الله تعالى عن الخلاف الذي يقع بين المسلمين في فروع الدين و جزئياته،في بعض القضايا البسيطة:( ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ )لأن القدر المشترك بينهم كبير فكتفى بالموعظة الحسنة،حوار يلامس القلوب و ينير العقول ويهدي إلى السكينة و يحقق الطمأنينة،ثم تحدث عن حوار في الدائرة الأوسع:مع غير المسلمين هنا لم يكتفى بالحسنى وإنما اشترط فعل الأفضل والأجمل والأتقن و الأجود والأحسن قال الله تعالى(وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (46) ) سورة العنكبوت ..

 إنما الإيمان يتأسس عبر القناعة وعبر الإيمان وانشراح الصدر وهذا يقتضي أن نسوق الحوار في بيئة صحية معافاة،ليس فيها تجريح،ولا سباب قال تعالى(وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ  (108) ) سورة الأنعام وإنما يكون عبر الجدال بالتي هي أحسن فهذا يأسس للعيش المشترك والله تعالى جعل رسالة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ، لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ (22) ) سورة الغاشية ، (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ ۗ  (48) ) سورة الشورى .

  • الركن السادس في تحقيق الأخوة الإنسانية: البر والعدل والاحسان:

إذا كان هناك إختلاف في العقائد وهناك مجادلة بالحسنى،هناك أساس للعيش المشترك،وهو التعامل بالبر والعدل.

    فالبر كلمة تدل على الإتساع في الخير،مثل البر مقابل البحر،مثل القمح يسمى بُر لكثرة منافعه و فوائده،وكلمة البر لعظم دلالتها جاءت في أعظم العبادات بعد التوحيد وهي بر الوالدين لأن الوالدين سبب وجودنا في الدنيا،فأمر الله تعالى ببرهما،والإحسان إليهما، و حسن الصلة بهما،والتعهد لهما،كذلك جاء ذكر البر في أساس العلاقة مع غير المسلمين،أساسا للعيش المشترك بين أطياف المجتمع الذي تختلف عقائدهم و ألوانهم وأجناسهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى