آخر الأخبارمقالات
أخر الأخبار

الهجرة دروس معتبرة

الهجرة دروس معتبرة

بقلم الأستاذ / محمد ضياء سليمان أبوسنة

باحث إسلامي

العلاقة بين ميلاد البعثة النبوية وهجرة النبي صلى الله عليه  وسلم  واضحة منذ الوهلة الأولي للنبي صلى الله عليه  وسلم  حينما خاطبه ورقة ابن نوفل  فَقالَ ورَقَةُ: هذا النَّامُوسُ الذي أُنْزِلَ علَى مُوسَى، يا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، أكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟ فَقالَ ورَقَةُ: نَعَمْ؛ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بمِثْلِ ما جِئْتَ به إلَّا عُودِيَ، وإنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا، ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ ورَقَةُ أنْ تُوُفِّيَ. ..” صحيح البخاري

فلم يركن النبي صلى الله عليه  وسلم إلي أنه سيهاجر ويترك الدعوة في قومه بل على العكس من ذلك ضاعف جهوده ثقة في الله ورغبة في إيمان كل الناس حتي عاتبه ربه “فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6)” الكهف.

فكان صلى الله عليه  وسلم يأخذ بأسباب الدعوة وكل السبل الموصلة إلي الله تعالي في دعوة قومه في مكة 13 سنة بالحلم والأناة والصبر علي الإيذاء ولم ييأس ولم يتبرم حتي ذهب إلي الطائف ولم يرجع منها بشيء بل كان من شديد الصبر بعد أن أدموا قدمه وقذفوه بالحجارة فكان رحمة مهداة ولم يدع عليهم حين جاءه ملك الجبال ليطبق عليهم الأقشبين فقال لا تفعل ياملك الجبال لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يوحده .

هجرات تمهيدية:

كذلك نال من قومه الإيذاء وكذلك أتباعه فأمرهم بهجرة تمهيدية لبلد الحبشة “اثيوبيا الآن ” عند ملك مسيحي لا يظلم عنده أحد وكانت هناك هجرة ثانية لهذا البلد إلي أن استقر فيها المسلمون وتعايشوا مع أهل هذه البلدة حتي بعد هجرة النبي صلى الله عليه  وسلم إلي المدينة.

بيعات وعلاقات خارجية :

ولم يترك النبي صلى الله عليه وسلم العلاقات الخارجية وعرض نفسه علي القبائل في موسم الحج، فكانت بيعة العقبة الأولي والثانية 12 رجلا في الأولي 73 رجلا وامرأتان في الثانية.

فكان ذلك من مقدمات الهجرة وبايعوا النبي صلى الله عليه  وسلم علي نصرته في حرب الأحمر والأسود وعلي السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وإيثاره عليهم وألا ينازعوا الأمر أهله،وأن يقولو كلمة الحق أينما كانوا وألا يخافوا في الله لومة لائم”البداية والنهاية لابن كثير”.

وهنا تتجلي هذه الدروس المعتبرة:

1-الثبات على الأمر والمبدأ:

فمن أول الرسالة لم يطلب النبي صلى الله عليه  وسلم  ملكا ولا مالا حينما رفض المقايضة بترك الرسالة ويكون افضل قريش فقال صلى الله عليه  وسلم  قولة المشهورة الخالدة على مر الزمان لعمه ابي طالب  “والله ياعم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري علي أن أترك هذا الأمر ما تركته حتي يظهره الله أو أهلك دونه

2-الثقة في وعد الله وأنه لن يضيعه :

مع الصبر على الأذي وترك أمره إلي الله حين اشتد أذي الكفار له فكان يعلم أنه مهاجر ولان لم يأته الوقت المحدد فبعث أصحابه أولا للهجرة فكان بذلك قائدا حكيما أطمأن أولا علي وصول المؤمنين قبله إلى المدينة ولم ولن يعترضهم أحد طالما أنه موجود في مكة وكان يصبر صاحبه أبا بكر حين أراد الهجرة ويقول له اصبر يا أبا بكر لعل الله يجعل لك صاحبا

3-التخطيط الجيد :

ففهمها أبوبكر فكان نعم الصاحب فأعد واستعد وجهز الراحلة والدليل والإمداد والتموين والتمويه والإخبار فكان عامر بن فهيرة صاحب التمويه بالغنم على آثار أقدامهم وعبدالله بن أوريقط الدليل الخبير بالطريق وعبدالله بن أبي بكر من يأتي بالأخبار ليلاً وكانت ذات النطاقين أسماء صاحبة الإمداد والتموين فكانت تتمنطق بنصف نطاقها وتضع الطعام في النصف الأخر وهذا يدل على دور المرأة المسلمة وأنها كانت تقف بجوار الرجال في دعوتهم وتحافظ على الدعوة أن يمسها السوء

4 –السكينة المحمدية وتنزلها في قلب أبي بكر:

سكن الفؤاد فعش هنيئا يا جسد..هذاالنعيم هوالمقيم إلى الأبد

أصبحت في كنف الحبيب ومن يكن..جار الحبيب فعيشه العيش الرغد

عش في أمان الله تحت لوائه…لا خوف في هذا الجناب ولا نكد

الصاحب يخشى على صاحبة ويحزن حين ضمهما الغار (غار ثور) اختفاءً عن أعين قريش فكان أبو بكر يخاف عليه ويقول له : إن هلكت فإنما أنا فرد وإن هلكت فأنت أمه ولما توقف المشركون أمام الغار اشتد حزن أبي بكر وقال للنبي صلى الله عليه  وسلم: لو نظر أحدهم تحت قدمه لرآنا فثبته النبي صلى الله عليه  وسلم: لا تحزن يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ونزل في شأنه قرآناً يتلى :

“إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖفَأَنزَل اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗوَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَاۗوَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ”(التوبة 40)

5 – التضحية والفداء :

وذلك في دور الإمام على بن أبي طالب رضي الله عنه فكان النائم في فراش النبي ينتظر تمويهاً على الذين يمكرون به ” وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚوَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُۖوَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ” (الأنفال 30) .

وكذلك ينتظر لرد الأمانات فقد كان صلى الله عليه وسلم  الصادق الأمين معلوماً بينهم لا يكذبونه ولكنهم كانوا جاحدين لرسالته حاقدين عليه ولكن الله يجعل رسالته فيمن شاء”قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ۖفَإِنَّهُمْلَايُكَذِّبُونَكَوَلَٰكِنَّالظَّالِمِينَبِآيَاتِاللَّهِيَجْحَدُونَ ” (الأنعام 33) .

فخرج من بينهم وهنا تظهر قدرة الله في جعلهم ينامون وهم واقفون فنفر صلى الله عليه  وسلم  على رؤوسهم التراب وهو يتلوا قوله تعالى:”وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ”(يس 9)

6 – حسن استقبال القائد والفرح بمقدمه

إذ هو رسول الله يظهر بعد رحلة وعناء في الصحراء وما لقيه من حديث سراقة بن مالك ووعده بسواري كسرى ووصف أم معبد له صلى الله عليه  وسلم  خُلقاً وخَلقا وحلول البركة بشاتها العجفاء بعد أن مس كف النبي ضرعها ففاض لبنها وسقت الضيوف وأهل الدار وهذا من بركة النبي صلى الله عليه  وسلم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى