آخر الأخبارمقالات
أخر الأخبار

الهجرة وعلاقتها بالمجتمع الجديد

الهجرة وعلاقتها بالمجتمع الجديد

-بقلم الأستاذ : محمد زين الدين عبد  المؤمن

إن حياة النبي صلى الله عليه   وسلم  نموذجية، من اقتدى بها فاز بخير الدنيا والآخرة. قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا]الأحزاب: 21[. ومن نافل القول أن دعوته صلى الله عليه   وسلم  عالمية للناس أجمعين،وقد جاءت رسالته وسيرته مستوعبة لكل ما كان ذا صبغة سُننية مُطَّردة في الخلق، مما أعطاه صفة المرجعية.لذلك كان فهمه صلى الله عليه   و سلم  لوحي الله تعالى وتمثله له ودعوته إليه وعمله من أجل تجسيده في الواقع الاجتماعي والحضاري فهمًا نموذجيًّا، وكانت ومواجهته للتحديات التي تعيق ذلك مرجعا ومعيارًا للاقتداء والتأسي الموضوعي.ويمكن للمجتمعات الحديثة أن تستفيدُ منه في جهاتٍ متعدّدة على رأسِها استثمار السنن النبوية في تغيير الواقع الإنساني. ونحن في هذا المقال نحاول إلقاء الضوء على الجوانب الاجتماعية التي يمكن الاستفادة منها في الهجرة النبوية إلى المدينة المنورة.

إعداد الرأي العام

لا شك أنه من أسباب نجاح أي مشروع اجتماعي أن يتقبله أفراد المجتمع ويتعاون في تحقيقه. فإذا ما تأملنا في الهجرة النبوية نذرك أنه، بعد توفيق الله تعالى، سعى رسول الله صلى الله عليه   و سلم  في إعداد المناخ المناسب يتقبل الصحابة فيه فكرة الهجرة. فقد تناولت آيات في السور المكية التنويه بالهجرة في الإشارة إلى سعة أرض الله. قال تعالى:  ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ]الزمر:10[. ثم قصة الفتية الذين آمنوا بربهم في سورة الكهف، وهاجروا من بلدهم للحفاظ على دينهم. ثم تلا ذلك آيات صريحات في الترغيب في الهجرة. فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ. الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ]النحل:41-42[. وكانت الهجرتانالمؤقتتان إلى الحبشة تدريبًا عمليًّا على ترك الأهل والوطن وأسباب الرزق في سبيل الله تعالى. فعندما أمر النبي صلى الله عليه   و سلم  المسلمين بالهجرة إلى المدينة، امتثلوا وهرعوا إلى مغادرة مكة التي أحبوها من أجل إعلاء دينهم.

لم يهمل النبي صلى الله عليه   و سلم  إعداد الأنصار الذين سيستقبلون جموع المهاجرين. فقد بدأ الجهدُ بدعوة ستَّة منهم، ثم حركة أولئك الستة في الدعوة إلى الله تعالى. ثم بإرسال مصعب بن عمير-رضي الله عنه- معلّمًا ومربّيًا في المدينة، ثم بالبيعة الأولى وكانت بيعةَ تكوين وتربية، ثم جاءت البيعةُ الثانية وهي بيعةُ النصرة والتأييد التي أظهرت استعدادهم لحماية الدين واستقبال المهاجرين وما يترتب على ذلك من تبعات.

معرفة كوامن الرجال واستثمارها

إن من أسرار نجاح المجتمعات في العصر الحديث اكتشاف الطاقات الكامنة في الرجال واستثمارها في المواقع المناسبة. تحتاج هذه الطاقات أحيانًا إلى صقل وتنمية حتى تؤتي ثمارها. فالملاحظ في سيرة النبي صلى الله عليه   و سلم  يدرك أنه بدأ بتكوين الرجال في بيت الأرقم بن أبي الأرقم. وكان النبي صلى الله عليه   و سلم  يبحث عن الرجال في الأسواق والمواسم والمناسبات السنوية، وعرض نفسه على قبائل كثيرة فأبت. ثم وجدستة من رجال يثرب، صاروا اثنا عشر في البيعة الأولى، ثم سبعين في البيعة الثانية. فلما هاجر الضعفاءِ والمساكين، صادرت مكَّةُ أموالهم وديارهم من بعدهم، وظنَّت أنَّه قد رَبِحَ البيع، فخاب ظنُّها، إذ هاجرَ النبيُّ صلى الله عليه   و سلم  بالرِّجال الأبطال، وكان مع الرِّجالِ قلوبُهم وعقولهم وكلماتهم. فما هي إلاَّ سنوات حتَّى عادَ الرِّجال إلى ديارهم وأموالهم.

دور المرأة في نجاح المشاريع الاجتماعية

يتجلى ذلك من خلال الدور الذي قامت به عائشة وأختها أسماء -رضي الله عنهما- حيث كانتا نعم الناصر والمعين في أمر الهجرة، فلم يخذلا أباهما أبا بكر مع علمهما بخطر المغامرة، ولم يفشيا سرّ الرحلة لأحد، ولم يتوانيا في تجهيز الراحلة تجهيزاً كاملاً، إلى غير ذلك مما قامتا به. فقد جاء المشركون إلى بيت أبي بكر، وطرقوا بابه، فخرجت إليهم أسماء بنت أبي بكر، فقالوا لها: أين أبوك؟ قالت: لا أدري والله أين أبي، فرفع أبو جهل يده فلطمها لطمة طرح منها قرطها. عن أسماء رضي الله عنها قالت: “لما خرج رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وخرج أبو بكر معه، احتمل أبو بكر ماله كله ومعه خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف، فانطلق بها معه، قالت: فدخل علينا جدي أبو قحافة وقد ذهب بصره، فقال: إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه، قالت: قلت؛ كلا يا أبت، إنه ترك لنا خيرا كثيرا، قالت: فأخذت أحجارا فوضعتها في كوة في البيت التي كان أبي يضع فيها ماله، ثم وضعت عليها ثوبا، ثم أخذت بيده فقلت: يا أبت ضع يدك على هذا المال. قالت: فوضع يده عليه، فقال: لا بأس إذا ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم، قالت: ولا والله ما ترك لنا شيئا، ولكني أردت أن أسكت الشيخ بذلك” ]أحمد والطبراني[.

وفي الختام

بغيرِ الإسلام تصبحُ الأوطانُ مجردَ أتربةٍ وحجارة، وبغير الإيمان يصبحُ المال والمتاعُ حجَّةً على العبد ووسيلةً إلى الضلال، وقد قال ربنا سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات:56-57]. فمتى تعذَّرَ تحقيقُ هذه الغايةِ فوقَ أرضٍ ما فلا بُدَّ من البحثِ عن غيرِها أملاً في إيجادِ أرضيةٍ صالحةٍ للعيش بالعقيدة والإسلام، وللتمكن من عرضِ العقيدةِ بصفائِها ونقائِها على الناس، وفي الهجرة تجد الشاب والكهل، الرجل والمرأة، السيد والخادم، الأب والابن، جميعهم في الهجرة بالدعوة والحق من أرض إلى أرض، ومن وسيلة إلى وسيلة، ومن أسلوب إلى أسلوب، إلى حيث يكون العز والنصر والتمكين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى