آخر الأخبارمقالات
أخر الأخبار

بنود معاهدة المدينة

بنود معاهدة المدينة

بقلم الأستاذ : أبو صلاح الدين عبد القادر

فور هجرة النبي  – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إلى المدينة المنورة كتب دستورًا تاريخيًا، وقد أطنب فيه المؤرخون والمستشرقون على مدار التاريخ الإسلامي، واعتبره الكثيرون مفخرة من مفاخر الحضارة الإسلامية، ومَعلَمًا من معالم مجدها الإنساني. إن هذا الدستور يهدف بالأساس إلى تنظيم العلاقة بين جميع طوائف وجماعات المدينة، وعلى رأسها المهاجرين والأنصار والفصائل اليهودية وغيرهم.وقد سلك معهم النبي صلى الله عليه وسلم مسلكًا يتماشى مع طبيعة المرحلة، وعقد معهم معاهدة تضمن لهم حقوقهم وتُعَرِّفهم بواجباتهم في ظلِّ الدولة الإسلامية التي يعيشون في رحابها .فصارت المدينة دولة وفاقية رئيسها الرسولصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وصارت المرجعية العليا للشريعة الإسلامية، وصارت جميع الحقوق الإنسانية مكفولة، كحق حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر، والمساواة والعدل.

وقد سلك معهم النبي صلى الله عليه وسلم مسلكًا يتماشى مع طبيعة المرحلة التي تمرُّ بها الدولة الإسلامية في تلك الفترة، وعقد معهم معاهدة تضمن لهم حقوقهم وتُعَرِّفهم بواجباتهم في ظلِّ الدولة الإسلامية التي يعيشون في رحابها.

ومن الجدير بالذكر أن الغرب وبعض مستشرقيه أكدوا على أهمية هذه الوثيقة الهامة، حيث ذكر المستشرق الروماني جيورجيو أن دستور المدينة المنورة احتوى على اثنين وخمسين بندا، خمسة وعشرون منها خاصة بأمور المسلمين، وسبعة وعشرون مرتبطة بالعلاقة بين المسلمين وأصحاب الأديان الأخرى، ولاسيما اليهود وعبدة الأوثان. وقد دُون هذا الدستور بشكل يسمح لأصحاب الأديان الأخرى بالعيش مع المسلمين بحرية، ولهم أن يقيموا شعائرهم حسب رغبتهم، ومن غير حرج لأي من الفرقاء.

وسنعرض بنود عهد الرسول صلى الله عليه وسلم مع قبائل اليهود، التي كانت تُساكنه المدينة في أعقاب هجرته الشريفة. فقد كان مما نصَّت عليه:

1- إن يهود بني عوف أُمَّة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم.

2- وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم‏.

3- وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة‏.

4- وإن بينهم النُّصح والنصيحة، والبرَّ دون الإثم‏.

5- وإنه لا يأثم امرؤُ بحليفه‏.

6- وإن النصر للمظلوم‏.

7- وإن اليهود يُنفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين‏.

8- وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة‏.

9- وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مردَّه إلى الله –عز وجل، وإلى محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم‏.

10- وإنه لا تُجَارُ قريشٌ ولا مَنْ نَصَرَهَا‏.

11- وإن بينهم النصر على من دهم يثرب‏.‏‏.‏ على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قِبَلَهُمْ‏.

12-  وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم‏.

ومما تجدر الإشارة إليه في هذا الموضع أن هذه الوثيقة لم تذكر يهود بني قينقاع ولا يهود بني النضير ولا يهود بني قريظة، مع ما صحَّ من وقائع السيرة التي تُثْبِتُ أنه قد تمَّت معهم عهود ومواثيق أخرى غير هذه الوثيقة.

لقد كان اليهود أقرب مَنْ يُجاور المسلمين في المدينة، وهم وإن كانوا يُبْطِنون العداوة للمسلمين، إلاَّ أنهم لم يكونوا قد أظهروا أيَّة مقاومة أو خصومة بعدُ؛ فعقد معهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذه المعاهدة التي قرَّر لهم فيها النصح والخير، وترك لهم فيها مطلق الحرية في الدين والمال، ولم يتَّجه إلى سياسة الإبعاد أو المصادرة أو الخصام.

لقد كان ذلك العهد الذي أبرمه النبي -صلى الله عليه وسلم- مع اليهود بمثابة أول وثيقة تُوَقِّعها دولة المسلمين مع طائفة أخرى على غير دين الإسلام. ولكن رباط المواطنة بمفهومه العصري يَشدُّها إلى الدولة الإسلامية بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

مبادئ وثيقة المدينة:احتوت وثيقة أو ما يعرف بدستور المدينة المنورة على ما يأتي:

أولاً: حرية العقيدة في الإسلام:

يحمل هذا البند الأول من هذه الوثيقة إلى حرية المعتقد بوضوح: «يهود بني عوف أُمَّة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم. مواليهم وأنفسهم».  ومعناها أن حرية العقيدة في الإسلام حقيقة كبرى:(لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) آية 256،البقرة. فللمسلمين دين، ولليهود دين، وفي هذا إشارة واضحة إلى أن اليهود بموجب هذه الوثيقة يتمتَّعُون بحرية ثقافية وحقوقية كاملة، ولهم كامل الحرية في التعبير عن آرائهم في ظلِّ مجتمع المدينة في ذلك الوقت. ولم يتمتع اليهود في أي زمان وحتى في العصور الحديثة بحرية كاملة مثلما تمتعوا به في ظل الحضارة العربية الإسلامية.

ثانيًا: الاستقلال المالي لأهل الذمة:

«وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم»: أي أن ذمة اليهود المالية مستقلَّة ومحفوظة تمامًا، بعيدًا عن ذمَّة المسلمين المالية، فليس للمسلمين أخذ حقًّا لهم، أو مصادر ممتلكاتهم أو تأميمها، بل إن لهم حرية التملُّك ما داموا على عهدهم مع المسلمين في داخل الحضارة العربية الإسلامية.

ثالثًا: التعاون في حماية الوطن حالة الحرب:

أشار هذا البند إلى أه في حالة حدوث هجوم على المدينة المنورة فإن الجميع بمقتضى حقِّ المواطنة يُدافع عنها، لأنهم يعيشون معًا في بلد واحد، فإن عليهم التعاون في الدفاع عن هذا البلد لو تعرَّض لعدوان خارجي، وذلك كما يُشير البند الثالث: «وإن بينهم النصر على مَنْ حارب أهل هذه الصحيفة»، ولا يكون هذا التناصر عسكريًّا فقط، وإنما يُنفق اليهود مع المسلمين من أجل الدفاع عن البلد. فقد أكَّد البند السابع هذا المعنى: «وأن اليهود يُنفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين»، ولا يصحُّ أن يُجير أحد من أهل هذه المعاهدة أحدًا من قريش، أو أحدًا نصرها وذلك حفظًا لأمن المدينة من العدوِّ الوحيد الذي يُعلن العداوة لها، حيث كانت باقي القبائل على الحياد، وإلى هذا يُشير البند العاشر من الوثيقة: «وإنه لا تُجار قريش ولا مَنْ نصرها»، ويُؤَكِّد البند الحادي عشر -أيضًا- على معاني الوطنية، والمسؤولية التي تقع على كاهل كل طرف من الأطراف التي تسكن المدينة، وذلك حتى يشعر الجميع أن هذا وطنه، وأنه يجب عليه حمايته: «وإن بينهم (أهل هذه الوثيقة) النصر على من داهم وأغار على المدينة‏،‏ على كل أناس حصَّتُهُم من جانبهم الذي قِبَلَهُمْ».

أبطل هذا البند كل تميز عنصري بين أفراد المجتمع في المدينة المنورة  بل إن الجميع -دون استثناء- يشتركون في حماية الوطن والدفاع عنه. وهذا يمثل قمة التضامن ويشد الشبكة الاجتماعية من التخلخل.

رابعًا: العدل التام:

العدل هو أحد الأسس العظيمة والراسخة في هذه الوثيقة، وذلك لأنه أحد مقوِّمات الاستقرار في المجتمعات والشعوب،هذا هو التشريع الإسلامي المثالي الذي يحفظ لكل إنسان حقوقه، دون النظر إلى ما يعتنقه من دين، أو ما يحمله من أفكار، وهذا هو عدل الإسلام وإنسانيته.

وبدون العدل يُصبح الضعيف مغلوبًا على أمره، فاقدًا لحقوقه، بينما يرتع القوي في حقوق الآخرين دون وجه حقٍّ، وقد كانت المجتمعات الجاهلية تقوم على نُصرة القريب؛ سواء كان ظالمًا أو مظلومًا؛ وذلك بدافع العصبيَّة والقَبَليَّة،وأقرالإسلام هذه القاعدة بِإقرار نُصرة المظلوم، وجَعْل نُصرة الظالم بالأخذ على يديه ومَنْعِهِ من الظلم.

فسواءٌ كان المظلوم مسلمًا أو يهوديًّا فإن له النصرة، وعلى ظالمه العقوبة، فلو أن مسلمًا ظَلَم يهوديًّا فإنه يُعَاقَب على هذا الظلم، ويُرَدُّ الحقُّ إلى اليهودي، وكذلك لو ظَلَم يهوديٌّ مسلمًا فإنه يُعَاقَب ويُرَدُّ الحقُّ إلى المسلم. فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( انْصُرْ أخاكَ ظالِمًا أوْ مَظْلُومًا. فقالَ رَجُلٌ: يا رَسولَ اللَّهِ، أنْصُرُهُ إذا كانَ مَظْلُومًا، أفَرَأَيْتَ إذا كانَ ظالِمًا، كيفَ أنْصُرُهُ؟قالَ: تَحْجُزُهُ -أوْ تَمْنَعُهُ- مِنَ الظُّلْمِ؛ فإنَّ ذلكَ نَصْرُهُ.الراوي)رواه البخاري.

خامسًا: التعاون والتناصح :

«وإن بينهم النصح والنصيحة، والبرَّ دون الإثم»‏، أي أنه بموجب هذا العهد يكون على الأطراف المتعاهدة التناصح فيما بينها، ويشمل هذا الأمر إسداء النصح للأطراف الأخرى بصدق وإخلاص، وقبول النصيحة منهم، وأن يحمل كلُّ طرفٍ النصائحَ التي يُسديها إليه الآخرون محمَلاً حسنًا، ويُؤَكِّد هذا البند أيضًا على أن بين الأطراف المتعاهدة البرَّ دون الإثم، أي التعامل بالإحسان، والتعاون على الخير فيما بينها، دون التعامل بالسوء. لقوله تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) آية 83، البقرة. والكلمة الطيبة صدقة ولبجر الخاطر.

سادسًا: مرجعية واحدة:

يُؤَكِّد البند التاسع من الوثيقة هذا المعنى: «وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حَدَثٍ أو شجار يُخاف فساده فإن مردَّه إلى الله عز وجل، وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بند مهمٌّ يكفل توازن العلاقة، ووضوح معالمها بين المسلمين ومواطنيها غير المسلمين؛ فمع ما قرَّرته البنود السابقة من حريات وحقوق، إلاَّ أن هذا البند يكشف جانبًا آخر مهمًّا من العلاقة، وهو أن المرجعية القضائية القانونية والفصل في الخصومات إنما يكون كل ذلك إلى شريعة الإسلام، وقضائه المتمثل حينذاك في رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما لم يكن الأمر من خصوصيات دينهم).

سابعا:عناية الإسلام بحقوق غير المسلمين:

أولى الإسلام عناية بحقوق غير المسلمين وهو مسألة مبدئية لا يعمد إليها المسلمون مضطرين أو مهزومين جاء به الدين الحنيف من اليوم الأول. وأن تلك الكفالة التامَّة لحقوق الأقليات غير الإسلامية في المجتمع الإسلامي أمر واقع من قبل أن يخطر على بال الآخرين تفكيرٌ في مثل هذه المبادئ بقرون طويلة.قال تعالى:( …فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُواۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) آية 9، الحجرات.

خلاصة القول أن هذه الوثيقة أو هذا الدستور وضع الأسس الأولى في تنظيم الحياة العامة مع المسلمين ومع الآخر- بتعبير عصري -. وكان لهذا الدستور أثر طيب وراسخ على المجتمعات الإسلامية عبر التاريخ الحضاري لها، وشهد له القاصي والداني من المسلمين وغيرهم من المنصفين من اليهود والنصارى. ولا يزال لدستور المينة صدى عالمي لما يحمله من حمولة عقائدية ومالية وشخصية وجماعية وحرية وعدل ومساواة…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى