آخر الأخبارمقالات
أخر الأخبار

بورتري : مالك بن نبي

بورتري : مالك بن نبي

هو المفكر الإسلامي الجزائري، الذي أحدث نقلة نوعية في الفكر الإسلامي الحديث، وأسس مفاهيم ومصطلحات فكرية وفلسفية جديدة يعتبر إمتدادا لإبن خلدون. لقب بألقاب عديدة من بينها “فيلسوف العصر” و”فقيه الحضارة” و”منظر النهضة الإسلامية”.

يعتبر من المفكرين المسلمين القلائل في هذا العصر الذين يلقبون بمفكري العصر وأصحاب النهضة الفكرية،  فهو الذي يدرس ويتأمل ويقارن، ويحلل المشكلة إلى أجزائها، ثم ينسق ويركب ويجتهد في إيجاد  الحلول.

المولد والنشأة:

ولد مالك بن نبي يوم 1 يناير/كانون الثاني 1905 في مدينة قسنطينة بالجزائر، وكان أبوه  موظفا بإدارة مدينة تبسة، وكانت أمه تعمل في الحياكة. حيث ترعرع في كنف أسرة بسيطة متدينة بشرق الجزائر، كانت مدينة “قسنطية”  محطته الأولى، ولم تنفرد  “قسنطية” وحدها بأفكاره التي ستتجاوز نطاق الجزائر فيما بعد، بل ستتجاوز المنطقة العربية والإسلامية  بأسرها. ففي الأول من يناير/كانون الثاني من عام 1905م كان الحاج “عمر بن نبي” يستقبل مولوده الجديد “مالك” الذي سينتقل سريعًا في مراحله التعليمية، بين “الكُتّاب” في “تبسة” والعودة إلى المدرسة في “قسنطينة” لتبدأ منها رحلته الفكرية الجديدة على الفكر العربي، والمتميزة في طرحها العميق.تزوج  في باريس من فتاة فرنسية أسلمت على يديه وسمت نفسها خديجة، لكنها لم تنجب منه، فتزوج مرة ثانية في مصر عام 1956.

الدراسة والتكوين:

التحق في تبسة بكتاب تحفيظ القرآن الكريم لمدة أربع سنوات بالتوازي مع دراسته في المدرسة الفرنسية إلى أن أتم تعليمه الابتدائي والإعدادي.مكنه تفوقه الدراسي من الحصول على منحة لمواصلة الدراسة في مدينة قسنطينة التي كانت معلما للثقافة العربية والإسلامية قبل الاحتلال، وهناك بدأ يتعرف على الثقافة الفرنسية.

ولما أنهى تعليمه الثانوي عام 1925 سافر إلى فرنسا لكنه عاد إلى الجزائر لعدم حصوله على فرصة عمل، وفي سنة 1930سافر إلى فرنسا مجددا  لمواصلة دراسته، غير أنه لم يستطع الانتساب إلى معهد الدراسات الشرقية، فتوجه إلى مدرسة اللاسلكي حيث حصل على شهادة مهندس كهرباء عام 1935.

وفي “قسنطينة” كان “مالك” يجاور دروسه بمجالس الفقه للشيخ “ابن العابد” ودروس النحو العربي والصرف على يد “الشيخ عبد المجيد” الذي “أثّر في تكوينه الفكري وغرس فيه حاسة النقد الاجتماعي، كما تأثر أيضًا كما يذكر في مؤلفاته في المدرسة الثانوية بالسيد “مارتن” الذي أسهم في إثراء حصيلة تلامذته بالمفردات اللغوية وغرس فيهم ملكة التعبير وتذوقه وحبب إليهم المطالعة.

وكذا تنقّل “مالك” بين المعارف والأفكار المختلفة، فقرأ لـلأديب والشاعر الفرنسي”جول فيرن” وتذوق العبقرية الشعرية الجاهلية وشعر العصر الأموي والعباسي، وحتى مدارس الشعر الحديثة، مما أكسبه طابعًا أدبيًا ملموسًا في مؤلفاته فيما بعد. ثم ما لبث أن جذبته الحركة الإصلاحية لـ”ابن باديس” بسبب ما امتاز به -منذ صغره- بالفكر الثوري ضد الاستعمار الفرنسي للجزائر.

الوظائف والمسؤوليات:

 عمل في مدينة تبسة مساعد مكتب في محكمة المدينة، وفي سنة 1927 التحق بمدينة آفلو بولاية الأغواط للعمل في محكمتها.وبعد عودته إلى الجزائر عام 1963 تقلد عدة مناصب أكاديمية أهمها منصب مستشار للتعليم العالي، ومدير لجامعة الجزائر ثم مدير للتعليم العالي، إلى أن استقال عام 1967 وتفرغ لنشاطه الفكري والدعوي.

مرحلة التفكر :

تعرف في عام 1928 على رائد الحركة الإصلاحية بالجزائر الشيخ عبد الحميد بن باديس، رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وفي باريس تعرف على مشكلات أمته ووطنه، وفيها عاش تجربة غنية تعرف من خلالها على روح الحضارة الغربية وأفكارها.

انخرط في نشاط فكري وسياسي بين المغتربين، وكان عنوان أول محاضرة يلقيها هناك “لماذا نحن مسلمون؟” وذلك في أواخر ديسمبر/كانون الأول 1931، وقد استجوبته الشرطة الفرنسية على إثرها.

شارك في تأسيس “جمعية الوحدة المغاربية” تحت إشراف الأمير شكيب أرسلان، وأصبح ممثلا للجزائر فيها، وفي مارسيليا أشرف على نادي “المؤتمر الجزائري الإسلامي”، وبعد ذلك سافر إلى مصر عام 1956 وأقام بالقاهرة حيث سخر نفسه وقلمه لخدمة ثورة التحرير الجزائرية، وهناك عمق معرفته باللغة العربية بعد أن كان ضليعا في اللغة الفرنسية.

ركز جهده في مجالي فكر النهضة والدراسات القرآنية، وقدم في الأول إسهامات بارزة لتجديد الفكر الإسلامي المعاصر، حيث أكد أن أزمة المجتمع المسلم هي أزمة منهجية عملية بالأساس، وبناء على ذلك صاغ نظريته في التغيير الاجتماعي على أساس مبدأ الفاعلية والتصدي لما سماه القابلية للاستعمار والحذر من داء الاستكانة والهوان.

أغنى الفكر الاسلامي بمصطلحات عديدة بحديثه عن “الأفكار الميتة” و”الأفكار المميتة” والعلاقة بينهما وعن مراحل تطور الحضارة الإسلامية وغير ذلك.

المؤلفات والآثار:

ترك إرثا فكريا و معرفيا زاخرا بالعطاء و الفلسفة المعمقة، إذ ألف أكثر من ثلاثين كتابا منها “مشكلة الثقافة” عام 1956 و”الصراع الفكري في البلاد المستعمرة” عام 1960 و”الفكرة الآفروآسيوية” عام 1956 و”الكومنولث الإسلامي” عام 1960.من أشهر كتبه “الظاهرة القرآنية” و”وجهة العالم الإسلامي” و”شروط النهضة” و”مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي”.

نشر له بعد وفاته كتابان: الأول “دور المسلم ورسالته في القرن العشرين” عام 1977 والثاني “بين الرشاد والتيه” عام 1978، وقد ترجم  الدكتور عبد الصبور شاهين عددا من كتبه الصادرة بالفرنسية إلى اللغة العربية.

الوفاة:

توفي مالك بن نبي يوم 4 شوال 1393 الموافق 31 أكتوبر/تشرين الأول1973م.

من الأقوال المأثورة له :

“أنا شديد التأثر بالحدث، وأتلقى صدمته بكل مجامعي وبانفعالية تستطيع أن تنتزع مني دموع الحزن حين يثير الحدث الحبور من حيث المبدأ”.

وكذلك :“الجهل في حقيقته وثنية، لأنه لا يغرس أفكارًا بل ينصّب أصنامًا”.

وكذلك :”أي إخفاق يسجله مجتمع في إحدى محاولاته إنما هو التعبير الصادق عن درجة أزمته الثقافية”

وكذلك :إن الجمال هو وجه الوطن في العالم فلنحفظ جمالنا كي نحفظ كرامتنا

ومن أقواله “العلم دون ضمير ما هو إلا خراب للروح والسياسة دون أخلاق ما هي إلا خراب للأمة وفكرة السلام لم تُحقِقْ حتى الآن استقلالها وشخصيتها الخاصة

وكذلك “لايزال السلام في البلاد المتحضرة يعد نتيجة لحرب ظافرة”

و” كل كلمة لا تحمل نشاط معين هي كلمة فارغة كلمة ميتة مدفونة في نوع من المقابر نسميه القاموس”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى