آخر الأخبارمقالات
أخر الأخبار

حجة الوداع .. رؤية دستورية معاصرة

     بقلم الأستاذ اسماعيل ذباح

      تعتبر وثيقة خطبة “حَجَّة الوداع” ذات قيمة حضارية كبيرة، فهي من الوثائق التاريخ الإنساني، اعتنى بها كثير من المؤرخين والمستشرقين والباحثين، بل يعدها الكثير نصا دستوريا لحقوق الإنسان التي أرست ركائز المجتمع الإسلامي.

          حددت الوثيقة جملة من الحقوق التي تحفظ تماسك وقوة المجتمع، وبيّنت المعالم السياسية للدولة، فهي بمثابة وثيقة لحقوق الإنسان وأطار دستور الدولة، فيها المعالم الحضارية للمجتمع الإسلامي، وأصول الإسلام ومقاصده.

أولا: نبذة تاريخية حول الوثيقة:

       تذكر كتب التاريخ وحتى كتب الحديث أنه لم يجتمع – لأحد في جزيرة العرب-مثل ما اجتمع عدد للرسول الله صلى الله عليه وسلم في حَجَّة الوداع؛ فكانت مناسبة لتعليم الناس مبادئ الإسلام وتأكيد ذلك، بل حرص ان يسمع الجميع، فهو القائل لبلال رضي الله عنه: “أسكت الناس” رواه ابن ماجه. وامر جرير بن عبد الله رضي الله عنه: “استنصت لي الناس”؛ والبطاقة الفنية للوثيقة كالتالي:

  • البلد: مكة المكرمة،
  • المكان: صعيد عرفات فوق هضبة صغيرة تدعى: جبل الرحمة
  • الزمان: يوم جمعة09 ذو الحجة في السنة العاشرة للهجرة
  • المناسبة: يوم عرفة، في حَجَّة النبي ﷺ
  • سبب التسمية: سميت بخطبة حَجَّة الوداع، لأنها أول وآخر حجة للنبي ﷺ، حيث توفي بعدها بنحو ثلاثة أشهر.
  • القيمة التاريخية والعلمية: الوثيقة أعطت ركائز حقوق الإنسان قبل 14 قرنا من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (10 ديسمبر 1948م)

ثانيا:معالم دستور دولة المسلمة و أسس حقوق الانسان:

يمكن أن نستخلص معالم دولة الإسلام وأسس حقوق الانسان على النحو التالي:

  1. تحديد مصدر التشريع، “الكتاب والسنة”: فالله تعالى هو المشرع ابتداءً، وهذا لا يعني أن البشر لا دور لهم في التشريع، والسلطة للأمة، فللناس الاجتهاد والتفسير والاسقاط على الواقع، لهذا حرص صلى الله عليه وسلم على تأكيد البلاغ للناس:(اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. رواه مسلم. تأكيدا للحقيقة الكبرى:(وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ) رواه مسلم،
  2. تأكيد “وحدة” الأمة:من خلال تعميق الاخوة وتماسك المجتمع، والابتعاد عن أسباب التحريش كالفرقة والنزاع والصراع:( أَلَا لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، أَلَا إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَكُمْ) رواه أحمد.
  3. تحديد هوية الأمة في “الإسلام”: فالأمة متميزة عن غيرها من الأمم من حيث القيم والمبادئ، ابتداء بالتأريخ القمري والسَّنَة الهجرية:(إن الزَّمَانُ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَةِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ: ثَلاَثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو القَعْدَةِ، وَذُو الحِجَّةِ، وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ) رواه البخاري ومسلم، ومدار كثير من اركان الإسلام و احكامه بالأشهر القمرية، فمطلوب المحافظة على الهوية.
  4. “الأمة” مصدر السلطات: وفي عام حَجَّة الوداع وكانت وفاته صلى الله عليه وسلم_ في أقل من ثلاثة أشهر_ وفي نص الخطبة إشارة إلى ذلك:(لعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا) رواه النسائي، ومع هذا لم ينصِّب للأمة رئيساً ولا أميراً ولا حاكماً ولا ملكاً، بل جعل ذلك في الأمة، هي تختار من يناسبها بكل حرية ومسؤولية.
  5. تأكيد “مبادئ” الشورى والمساواة: وهي مبادئ تتعلق ابتداء بالحكم والقضاء والتسيير وسياسة الشأن العام، وهي مبتغى كل مناضل ومثقف في العالم:( يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى) رواه أحمد.
  6. تأكيد وجوب “تنصيب” الحاكم: ومضت سنَّة الناس في البشرية أن يكون لهم مَن يحكمهم ويدير شؤونهم، وجاء تأكيد هذا في الخطبة من خلال وجوب طاعة الحاكم ولزوم الجماعة و تقديم النصيحة: (وَأَطِيعُوا ذَا أَمْرِكُمْ تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ) رواه أحمد
  7. تأكيد معالم “الاقتصاد الإسلامي” فالإسلام دين وحياة، وأحكام الشريعة الإسلامية المتعلقة بنظام حياة الناس في الاسرة والمعاملات المالية وغيرها ليست بالقليلة، و في الخطبة تأكيد حقيقة العدل الاقتصادي، و أن للأمة نظامها الاقتصادي التميز:(كُلَّ رِبًا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ ،،، لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ، وَلَا تُظْلَمُونَ)رواه أحمد.
  8. تأكيد أن المجتمع والدول بجناحين “المرأة والرجل”: فالنصوص الشرعية أكدت أن المرأة شقيقة الرجل، التفاضل بينهما بالعمل والانجاز داخل الاسرة أو خارجها، دون ظلم أو إهانة، بعيدا عن “الموروث” من تقاليد كثير من الشّعوب والأمم، بل جعل المساواة بين الرجل والمرأة والعدل في الحقوق و الواجبات من العبادة:(فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ، لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّ لَهُنَّ عَلَيْكُمْ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ حَقًّا) رواه أحمد، و هو تأكيد لقوله تعالى (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر)سورة التوبة.
  9. تأكيد حقيقة “الأخلاق” في المجتمع: فليس كل أمور الناس ويومياتهم ومصالحهم تُدار بالقانون والتشريع، إنما أساس ذلك الأخلاق الفاضلة والقيم النبيلة:( أيها الناس أتدرون من المسلم؟ المسلم من سلم الناس من لسانه ويده. أيها الناس أتدرون من المؤمن: المؤمن من أَمِنَهُ الناس على أموالهم وأعراضهم، أيها الناس أتدرون من المهاجر: المهاجر من هجر ما نهى الله عنه)
  10. تأكيد حقيقة “المواطنة” و”التسامح”و”التعايش”:
    فقِيَّم المواطنة واضحة لجميع الناس:(أيها الناس…)، من خلال تأكيد اُسساها الكبرى وهي ضمان استقرار المجتمع، الانفس والاعراض والاموال:(أيها الناس إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وأَعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا_ يَوْمَ النَّحْرِ _، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا _مكة المكرمة_، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا _ذو الحجة_) رواه مسلم.وقيم التسامح و التعايش و هي كذلك المرتكز الرئيس في بناء المجتمع و قوته و استقراره: (إن دماء الجاهلية موضوعة وأول دم نبدأ به دم عامر بن ربيعة بن عبدالمطلب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، الذى قتل في الجاهلية، فسامح فيه النبي صلى الله عليه وسلم) أي انتهت، فلا انتقام و لا ثأر و لا متابعة.


          فهذه معالجة بسيطة لوثيقة حَجَّة الوداع من أجل التثقيف العام، كوثيقة دستورية تاريخية، اعطيت السبق والتفوق للمسلمين من حيث التنصيص والتفكير والتأصيل، ثم أن أصل الوثيقة هو “الوحي”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى