مقالات

ذكرى الهجرة النّبويّة موعد ارتقاء متجدّد للأمّة .. بقلم المهندس / صالح بكلي .

ذكرى الهجرة النّبويّة

موعد ارتقاء متجدّد للأمّة

المهندس صالح بكلي

صاحب المنهاج التّفاعلي للسّيرة النّبويّة

إنّ الهجرة الّتي قام بها سيّدنا محمّد والصحابة قبل أربعة عشر قرناً، كانت تمثّل قمّة العبودية لله، غيَر الله بها تاريخ الرسالة الإسلامية كلّها، فالهجرة ليست مجرّد ترك للديار، الأهل والأموال والانتقال إلى بلد آخر، بل هي استسلام مطلق لله، وتسبيق لمراده عزّ وجلّ على مطالب النفس، لقد تركوا كلّ شيء خلفهم، سعيدة بها أنفسهم بهذا العطاء العجيب، بل إن المهاجر منهم صار مباح الدم، منهوب المال وقد يهلك في دروب الصحراء الصعبة، يسير نحو مستقبل مبهم، لا يدري ما يتمخض عنه من قلاقل وأحزان.

فكانت الجائزة الربّانية على قدر التضحية، لقد أعلى الله قدرهم في الأولين والآخرين، وصاروا عنواناً للإيمان بلا منافس، ومرتبة فوزٍ لا تُنَازع، ووعدهم الله بفلاح الدّنيا ونعيم الآخرة في مواضع عديدة، منها قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} النّحل، آية:41.

لكن هل الهجرة مكرمة خاصة بالأوائل وفعل مضى في الزّمن لن يتكرّر أم هو باب ارتقاء متجدّد للأفراد والأمم من بعد سيّدنا محمّد وصحابته الأخيار؟

ولقد تأمّلتُ طويلاً في حديث نبيّنا المصطفى ، فعن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله : “المُسْلِمُ مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسَانِهِ ويَدِهِ، والمُهَاجِرُ مَن هَجَرَ ما نَهَى اللَّهُ عنْه” رواه البخاري. وكأنّ النّبيّ الحبيب صلّى الله عليه وسلّم أراد أن تكون حياة المسلم مرتبطةً بحركةٍ إيجابيةٍ دائمةٍ مستمرّة، حركة هادفة مُنطلقها الإخلاص، وغايتها الخير والنّفع والرّحمة والعطاء.

وأنا أدرس هذا الحديث النّبويّ الموجز في كلماته، العميق في معانيه، تأمّلتُ الواقع المحيط بنا والكمّ الهائل من الشّهوات المحرّمة الّتي تحاول سحبنا إلى القاع، وإبعادنا عن السّيْر إلى الله وتشغلنا عن دورنا في عمارة الكون بالخير، وكأنّ بسيّدنا محمّد يُبشّرنا بعد هذه القرون المديدة أنّ من أراد نيل أجر الهجرة، ويلحق بركب المهاجرين الأوائل فما عليه إلّا ترك الذّنوب والمعاصي، تركاً قلبياً وتنزُّهاً سلوكياً ورفضاً فكرياً لكن دون ابتعاد عن هموم النّاس أو هروباً عن واقع الحياة.

لكن السؤال الأكبر: كيف يمكننا التحرّر من ذنوبنا والتخلّص من عاداتنا المستحكمة وقد أقمنا معها سنينَ طويلة وملأت شغاف قلوبنا؟

بحثت في السّيرة النّبويّة عن أسرار نجاح الهجرة فوجدتها في خمسة أسرار مؤصّلة كلّها بأفعال النّبيّ وأقواله.

نوجزها في نقاط مختصرة عملية، هي: نقاط عملية لكلّ مؤمن محبّ لربّه ولرسوله، راغب في عظيم جزائه في الجنّة، يعاني من عادة سيِّئة هابطة أو من ذنب قديم أقام فيه سنين عديدة، لم يقدر على تركه أو من رفقة سيِّئة تود التخلّص منها… ويودّ صادقاً أن يحدث تغييراً كبيراً في حياته…

1- الهجرة قصد ونية1 (غاية واضحة مخلصة كلّها لله وحده): فمن يرد هجر المعصية فعليه أوّلاً أن يفتّش عن مبرّرات قوية تدفعه لتركها، ثمّ يعقد صفقة مع الله بأن يجعل هذا التّرك كلّه لله، طمعاً في مرضاته وحياءً من جلاله.

2- الهجرة جهد جماعي2 (صحبة وتكامل أدوار): ابحث عن رفقة طيّبة تعينك على ترك الأمر، فالمؤمن ضعيفٌ بنفسه، قويّ بإخوانه وإنّ يد الله مع الجماعة.

3- الهجرة تخطيط وأخذ بالأسباب3 (خطة + إمكانات + تنفيذ): ضع خطة وأهداف واقعية للتخلّص التدريجي والنهائي من هذه المشكلة ولا تنتظر المعجزات أو المناسبات.

4- الهجرة بذل وعطاء4 (تضحية وإنفاق): كن على استعداد لتقديم التضحيات في سبيل التخلّص من هذه العادة أو الذّنب، واعلم أنّه لا يُنال أيّ شيء في هذه الدّنيا بلا مقابل.

  • الهجرة استحضار لمعية الله5 (حسنُ ظنّ بالله ويقين بنصره): أحسن الظنّ بالله وتوكّل عليه حقّ التّوكّل بعد بدل الجهد واستنفاذ الفكر، والْجَأ إليه وكأنّك لم تعمل أيّ شيء.

إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي

إنّ المسلم في حركة حياته دائم الارتباط بخالقه، دائم التودّد له، رغم ما يعتريه من نسيان وغفلة، وما يقترف من ذنوب ومعاصي، وكلّما أخطأ شعر بالبُعد عن ربّه فسارع إليه بشدّة أكثر من ذي قبل يسترجع الفوت قبل الفوات، لأنّ انقطاع الحبل يعني للإنسان السقوط في الضياع والمجهول. فالهجرة النّبويّة هي منحة ربّانية وموعد سنوي متجدّد تشحذ فيه همم المسلمين في كلّ مكان للارتقاء في مدارج السّالكين، وتكبح نفوسهم من التردي والابتعاد المهلك.

هجرات مطلوبة

ولعلّنا -ونحن نتأمّل في حدث الهجرة- نريد أن ننظر إلى أنفسنا، وأن نسطّر مساوئنا وما علق في نفوسنا من شوائب؛ فنسعى إلى تصحيحها، وننشد الأصلح لها، وإن كنّا ندعو إلى هجرة الرّذائل في الأخلاق والسّلوك، فإنّنا أيضًا في حاجة إلى هجرة الرّذائل فيما يخصّ شؤون حياتنا عامة، وأن نأخذ من هجرة الرّسول ما ينفعنا في مسيرتنا؛ فنهجر العشوائية في تسيير أمورنا، ونهجر الجدال الّذي لا يُراد به حقّ، ونهجر تضييع الوقت بغير شيء نافع، ونهجر عدم إتقان العمل، ونهجر الخيانة والتّقصير، نهجر الظّلم، نهجر التفرقة والتنازع، وغير ذلك ممّا يعرفه كلّ إنسان عن نفسه، حتّى يكون الارتقاء عاماً ينطلق من الأفراد حتّى يعمَّ المجتمع كلّه، ويغدو التحضر والرقي سمة عامة فينا ومنّا في زمن كثرت فيه الفتن والمحن، قال : “الْعِبادَةُ في الهَرْجِ –أي زمن الفتن- كَهِجْرَةٍ إلَيَّ” رواه مسلم،

1- حديث سيّدنا عمر قال: سمعتُ رسول الله يقول: “إنّما الأعمال بالنّيات، وإنّما لكلّ امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يُصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه”.

2- حديث السيدة عائشة أنّ رسول الله قال: «إنَّه قد أُذن لي في الخروج والهجرة». قالت: فقال أبو بكر رضي الله عنه: الصُّحبة يا رسول الله! قال : «الصُّحبة».

3- حديث عائشة : ذهب النّبيّ في الهاجرة إلى أبي بكر رضي الله عنه ليبرم معه مراحل الهجرة، وهذا رسول الله مُتقنعًا، في ساعة لم يكن يأتينا فيها، وكانَا قد استأجرَا عبد الله بن أُرَيْقِط، وكان ماهرًا بالطريق ـ وكان على دين كفار قريش، وأمنّاه على ذلك، وواعداه غار ثَوْر بعد ثلاث ليال براحلتهما.

4- كان أمر أبي بكر الصديق عجيبًا في الهجرة بداية من سعادته المتأثرة بصُحبة النّبيّ في هذه الرحلة، مع ما فيها من مخاطرة أكيدة على حياته، ثمّ تجهيز مسبق للراحلتين والزّاد، وتعريض حياة ابنه عبد الله وابنته أسماء للخطر خلال الأيّام الأولى للهجرة ودخول غار ثور قبل النّبيّ لتنظيفه وتنقيته من الزّواحف أو العقارب واضطرابه خوفًا حين رأى أقدام الكفار عند فتحة الغار.

5- كان رسول الله في الهجرة شديدة الاطمئنان، عظيم التفاؤل، يسير هادئا يقرأ القرآن لا يلتفت ولا يتوقف بل وعد سُراقة حين لاحقه بلبس أساور كسرى (أعظم ملوك أهل الأرض في ذلك الزّمان)، ولقد ذكر الله حال سيّدنا محمّد في قوله تعالى: {‏إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} التّوبة، آية:40.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى