آخر الأخبارمقالات
أخر الأخبار

في ظلال الهجرة: الإسلام والتعايش مع الآخرين

في ظلال الهجرة: الإسلام والتعايش مع الآخرين

ونحن نعيش مناسبة الهجرة النبوية إلى المدينة المنورة وما نتج عنها من تحولات كبرى في الدعوة، ومن دروس وآثار، ولعل أعظم ما يدخل في ذلك صحيفة المدينة المنورة أو دستور المدينة المنورة.

حينما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة كان أول ما فعله بعد بناء المسجد والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وضع صحيفة المعاهدة مع مختلف مركبات المجتمع ومنهم اليهود الذين كانوا يسكنون المدينة.

وهذه الصحيفة تدل بوضوح وجلاء على حكمة الرسول صلى الله عليه وسلم، في صياغة موادها وتحديد علاقات الأطراف ببعضها البعض، كدستور دولة، فقد كانت مواده مترابطة وشاملة، وتصلح لعلاج الأوضاع في المدينة آنذاك، وفيه من القواعد والمبادئ ما يحقق العدالة، والمساواة التامة بين البشر، وأن يتمتع بنو الإنسان على اختلاف ألوانهم ولغاتهم وأديانهم بالحقوق والحريات بأنواعها.

ولا تزال المبادئ التي تضمنها هذا الدستور في جملتها معمولاً بها في مختلف نظم الحكم المعروفة إلى اليومالتي وصل إليها الناس بعد قرون من تقريرها في أول وثيقة سياسية دوَّنها الرسول صلى الله عليه وسلم، بل تعتبر أقدم الوثائق الدستوريَّة في العالم تُحَقِّقَ مبدأ التعارف والعيش المشترك بين الطوائف المتباعدة والمتناحرة.

بل قال كثيرٌ من علماء القانون الدولي، إنَّ هذه الوثيقة نقلت الإنسانيَّة من الإطار السياسي الضيِّق، ومن دولة العشيرة والقبيلة، ومن الدولة القوميَّة إلى الدولة الإنسانيَّة العالميَّة، التي تضمُّ الشعوب على اختلاف أصولهم العرقيَّة، وانتماءاتهم القوميَّة، وعقائدهم الدينيَّة، واستطاعت بنجاح أن تُحَقِّقَ مبدأ التعارف والعيش المشترك.كامل سلامة الدقس: دولة الرسول r من التكوين إلى التمكين.

فقد أعلنت الصحيفة أن الحريات مصونة، كحرية العقيدة والعبادة وحق الأمن،،،فحرية الدّين مكفولة: «للمسلمين دينهم ولليهود دينهم» قال تعالى: ( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ). سورة البقرة: 256.

وقد أنذرت الصحيفة بإنزال الوعيد، وإهلاك من يكسر هذه القاعدة، وقد نصت الوثيقة على تحقيق العدالة بين الناس، وعلى تحقيق مبدأ المساواة.

وما فعله النبي صلى الله عليه وسلم كان أول تطبيق عملي للدولة المسلمة في حسن التعايش مع الآخرين، ودلالة على أن الإسلام دين لا ينفي الآخر على الإطلاق، وأنه يقر الاختلاف بين الناس في ألوانهم ومعتقداتهم، قال🙁وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) سورةيونس:99،وقال🙁وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)سورة الكهف:29

ولقد استمر النبي صلى الله عليه وسلم حتى وفاته يطبق هذا السلوك الحضاري،عَنْ أَنَسٍ قَالَ: “كَانَ غُلاَمٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم…”أخرجه أحمد والبُخَاريّوأبو داود، فهذه القصة تذكرنا بسماح النبي عليه الصلاة والسلام لغلام يهودي بأن يكون في خدمته يدخل بيته ويتطلع على أسرار لا يطلع عليه الناس؛ وقصة أخرى ذُكر في كتب السنة: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِثَلاثِينَ صَاعا مِنْ شَعِيرٍ. أخرجه أحمد والبُخَارِي.

       فقد شدد النبي صلى الله عليه وسلم على حسن معاملة المسلم لغير المسلمين والعدل معهم وإعطائهم حقوقهم،قَالرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ألاَ مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا، أو انْتَقَصَهُ، أوْ كَلَّفهُ فَوْقَ طَاقَتِه، أوْ أخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ، فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَة. أخرجه أبو داود الألباني في السلسلة الصحيحة.

فاحترام النفس الإنسانية مبدأ إسلامي أصيل لا يختلف عليه اثنان، عن قيس بن سعد وسهل بن حنيف، فمرت بهما جنازة، فقاما، فقيل لهما: إنها من أهل الأرض، فقالا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرت به جنازة فقام. فقيل: إنه يهودي. فقال: أليست نفسا؟أخرجه أحمد والبُخَارِي.

ولقد سار الصحابة الكرام بعد النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعهدهم الائمة والعلماء على ذلك النهج القويم،يطبقونه سلوكاً وأخلاقاً وتشريعا في حياتهمفي مجتمعاتهم، فالتعايش مع الآخر لا يعني على الإطلاق الذوبان وضياع الهوية.

فهل يعي المسلمون محاسن هذا الدين ويحسنون عرضها على الآخرين؟ وهل يفهم الآخرون حقيقة الإسلام ويدركون أنه دين يُحسن التعامل مع جميع الناس ويقر لهم بحقهم في العيش الآمن المطمئن طالما أنهم يحترمون حقوق المسلمين ويعترفون بوجوده دينا أنزله الله تعالى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى