آخر الأخبارمقالات
أخر الأخبار

قصة الحج

قصة الحج

بقلم الأستاذ : الدكتور الجيلالي شقرون

مقدمة:

الحج فريضة وعبادة يقوم بها المسلم بغرض التقرب إلى الله تعالى، وذلك من خلال التوجه إلى بيت الله في مكة المكرمة والقيام ببعض الأعمال والمناسك التي فرضها الله تعالى على الحاج، فيمثل بين يدي ربه ليغفر له ذنوبه ويدخله جنته، والحج هو فريضة من الفرائض وركن من أركان الإسلام الخمسة فلا يصح إسلام المرء دونها في حال مقدرته على أدائها.

تاريخية الحج:

قام إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام ببناء بيت الله في صحراء عربية قاحلة بعد أن رفضا الشرك في العراق وتوجها إلى المكان الذي يقدران فيه على عبادة الله تعالى وحده، فأمرهما الله ببناء هذا البيت ليكون مكاناً لعبادة الله وحده دون شريك، وأخذ المؤمنون من الكعبة مكاناً مقدساً يحجون إليه كلّ عام كما فعل إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وبقي الأمر كذلك حتى دخلت عبادة الأصنام إلى مكة المكرمة فقام العرب آنذاك بنصب الأصنام في بيت الله الحرام وأصبحوا يحجون إلى البيت بهدف التقرب إلى الأصنام.

وأوحى الله تعالى إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام ترك زوجته هاجر وابنه إسماعيل وحدهم في صحراء مكة مع القليل من الغذاء والمياه التي انتهت مع مرور الوقت. كانت مكة مكانا غير مأهول. فركضت هاجر بقوة سبع مرات بين تلال الصفا والمروة ولكن لم تجد أي شيء. حينها بدأ إسماعيل عليه السلام وهو طفل يخدش الأرض بساقه إذ بنافورة من المياه تحته تتفجر. وكان بداية ظهور الماء من بئر زمزم. وبسبب وجود الماء، بدأت القبائل في الاستقرار في مكة المكرمة، وكانت جرهم أول قبيلة تصل. وعندما كبر إسماعيل عليه السلام تزوج من هذه القبيلة وعاش معهم. ويذكر القرآن أن إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام قاما جنبا إلى جنب ببناء الكعبة. بعد وضع الحجر الأسود في الزاوية الشرقية من الكعبة، ثم تلقى إبراهيم عليه السلام الوحي من الله ليؤذن في الناس بالحج فقال إبراهيم عليه السلام فقال تعالى : (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ) الحج/27

قال ابن كثير في تفسيرها : أي ناد في الناس داعياً لهم إلى الحج إلى البيت الذي أمرناك ببنائه ، فذكر أنه قال : يا رب كيف أبلغ الناس وصوتي لا ينفذهم ؟ فقال : ناد وعلينا البلاغ ، فقام على مقامه ، وقيل على الحجر ، وقيل على الصفا ، وقيل على أبي قبيس (جبل قريب من الكعبة) ، وقال : يا أيها الناس إن ربكم قد اتخذ بيتاً فحجوه ، فيقال : إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض ، وأسمع من في الأرحام والأصلاب ، وأجابه كل شيء سمعه من حجر ومدر وشجر ، ومن كتب الله أنه يحج إلى يوم القيامة : لبيك اللهم لبيك . هذا مضمون ما ورد عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد وابن جبير وغير واحد من السلف ، والله أعلم ، وأوردها ابن جرير وابن أبي حاتم مطولة .

وأن الكعبة التي بناها إبراهيم كانت تبلغ ارتفاع 27 قدما و 96 قدما وطوله 66 قدما.

الحج قبل البعثة المحمدية:

وكان العرب قبل الإسلام يعبدون الأوثان. والكعبة مركز عبادتهم، وكانت مليئة بالأصنام. وخلال موسم الحج السنوي، يزور الناس الكعبة من الداخل والخارج. وكانت قبيلة قريش مسؤولة عن خدمة الحجاج. وأن العرب الوثنيين قدموا بعض الطقوس غير المقدسة أثناء الحج. وخلافا لحج اليوم، لم يمشوا بين تلال الصفا والمروة ولم يجتمعوا في عرفات. ويحافظ البعض على الصمت أثناء مجرى الحج كله. باستثناء الناس من قبيلة قريش، والبعض الآخر يؤدي الطواف في حالة عارية. وبعضهم يطوف ويصفق والبعض الآخر يصفر.

 وعظم عرب ما قبل الإسلام الحج والحجاج، وقد بلغ من درجة تعظميهم له، أن الحاج كان يحظى بالأمن التام، إذ تورد المصادر أنهم كانوا إذا خرج أحدهم من بيته يريد الحج، تقلد قلادة من لحاء شجر الحرم، دلالة على ذهابه إلى الحج، فيأمن حتى يأتي أهله؛ فإذا أراد العودة عاد مقلدا بلحاء الشجر، فلا يعرض له أحد بسوء؛ وهو ما سيبقى إلى أن فتح المسلمون مكة.

الحج في الإسلام:

وعندما بعث الله نبيه الكريم محمد -عليه الصلاة والسلام- وفتح عليه السلام هو ومن معه من المؤمنين مكة وحرروها من الوثنية حجوا أول حجة للمسلمين في بيت الله الحرام بعد أن فرضها الله عليهم، وقام الرسول عليه الصلاة و السلام بتعليم المسلمين مناسك الحج التي نؤديها اليوم على نفس المنهج.

وردَت عدّة أقوال في العام الذي فرض الله -تعالى- فيه الحَجّ، ومنها أنّه فُرِض في العام الخامس من الهجرة، ومِمّن نقل ذلك أبو الفرج الجوزي، وعلى الرغم من أنّه فُرِض في العام الخامس من الهجرة، إلّا أنّ النبي -عليه الصلاة والسلام- خرج إلى مكّة في العام السابع للهجرة؛ لقضاء العمرة، وخرج في العام الثامن إلى مكّة؛ فاتحاً، وبعثَ في العام التاسع قافلةً؛ للحجّ، وجعل عليها أبا بكر الصدّيق -رضي الله عنه- أميراً، إلّا أنّ النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- حجّ في العام العاشر من الهجرة؛ أي أنّه أخَّرَه مدّة، ولم يخرج إلى الحجّ على الفور، ونقل النوويّ أنّ الحجّ فُرِض في السنة السادسة للهجرة، وقال ابن الرفعة إنّه فُرِض في السنة الثامنة للهجرة، وقال الماورديّ إنّه فُرِض في العام التاسع للهجرة، أمّا الإمام ابن قيم الجوزية فقد قال إنّه فُرِض في العام العاشر للهجرة، بينما قال الجويني إنّه فُرِض قبل الهجرة، وذلك في كتابه (نهاية المطلب في دراية المذهب). وقد بيّن ابن عثيمين أنّ الحجّ فُرِض في العام التاسع من الهجرة، لأنّ مكّة كانت قبل ذلك تحت ولاية المشركين، وعندما فتح المسلمون مكّة في العام الثامن، مكثوا في مكّة شهر رمضان وأوائل شهر شوّال، ثمّ خرجوا لقتال ثقيف، وانتهى القتال في شهر ذي القعدة، فلم يُفرَض الحجّ إلّا في السنة التاسعة من الهجرة، وقد استدلّ من قال بهذا القول بأنّ آية وجوب الحجّ في القرآن الكريم نزلت في عام الوفود؛ أي في العام التاسع من الهجرة، وهي قوله -تعالى-: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) آل عمران ، الآية 97.

كيف جاءت سنة ذبح الأضحية:

أراد الله سبحانه وتعالى أن يختبر نبيه إبراهيم عليه السلام فأمره أن يذبح ولده الوحيد وفلذة كبده إسماعيل بعد أن كبر.. وقد جاء هذا الأمر في رؤيا رآها إبراهيم عليه السلام في المنام: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} [الصافات:102].. ومعلوم أن رؤيا الأنبياء وحي.   فذهب إبراهيم عليه السلام لولده وأخبره بما أمره الله به، فما كان من هذا الولد الصالح ابن السيدة التي وكلَّت أمرها لله تعالى في السابق إلا أن يستجيب لوالده ولأمر الله تعالى بكل حب وطواعية صابرًا محتسبًا، مُرضيًا لربه، وبارًا بوالده؛ قائلاً: {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات:102].   فهذا تمام العبودية وكمال الامتثال لأمر الله تعالى سواء من الأب الذي أُمِر أن يذبح ولده الوحيد الذي طالما تمناه وبعد أن رزقه الله به على كبر، ومن الابن الذي لم يتذمر ولم يرفض بل هانت عليه نفسه إرضاءً لله تعالى، وأخبر والده أنه مُوطن نفسه على الصبر، وقرن ذلك بمشيئة اللّه تعالى، لأنه لا يكون شيء بدون مشيئة اللّه تعالى.   ولما استسلم إبراهيم وولده لأمر الله تعالى وفوضا أمرهما إليه.. ذهبا سويًا إلى مكانٍ بعيدٍ وخلع إسماعيل قميصه ليكفنه والده فيه، وأضجع إبراهيمُ ولدَه على وجهه لئلا ينظر إليه فيشفق عليه.. وفي هذه اللحظات التي تُسكَب فيها العبرات، وتُحتَبس من أجلها الأنفاس داخل الصدور، فلا ترى إلا المدامع في العيون، وضع إبراهيم عليه السلام السكين على رقبة ولده ليحزها، فسُلِبَت السكين حدها كما سُلِبت النار من قبل إحراقها.. وجاءت البشرى فنودي إبراهيم عليه السلام: {أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ . قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ} [الصافات:104- 106].   يقول ابن القيم رحمه الله في كتابه (الداء والدواء): “ليس المراد من الابتلاء أن نُعذب، ولكنا نبتلي لنُهذب، وليس العجب من أمر الخليل بذبح ولده، وإنما العجب من مباشرة الذبح بيده، ولولا استغراق حب الأمر لما هان مثل هذا المأمور”.   وإذا بكبشٍ عظيم أبيض اقرن قد بعثه الله تعالى فداءً لإسماعيل عليه السلام {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات:107]. وأصبح هذا اليوم يومُ عيدٍ للمسلمين وأصبح ذبح الأضحية نُسكًا يُتقَرب به إلى الله تعالى إكرامًا لذكرى إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى