مقالات
أخر الأخبار

من وحـــــــــي الهجرة: استشراف المستقبل

من وحـــــــــي الهجرة: استشراف المستقبل

تطلع علينا ذكرى الهجرة النّبويّة (1442هــ/2020م) ونحن نعيش عصر التّسارع الرّهيب في مختلف نواحي الحياة، بما وصل إليه العقل البشري من ثورة في الاتصال، ومن تدفّق في المعرفة، ممّا جعل من الفروض والواجبات التّفكير في دراسة المستقبل والتّنبؤ به بناء على ركائز علمية، بعيدًا عن التّخمين والافتراء على الله.

إنّ تطوّر الدّراسات المتعلّقة بالاستشراف والتّخطيط في مختلف الجامعات ومراكز البحث بغرض الاستعداد للمستقبل على ضوء معطيات دقيقة تدفع بالمسلم حاكمًا أو مسؤولًا أو باحثًا لمراجعة الكثير من البرامج والخطط، بل مراجعة ثقافتنا وتفكيرنا، خاصة مع آثار جائحة (كوفيد-19)، حيث ارتهنا إلى جمعيات ومنظمات ووكالات توجّه وتقرّر كما تشاء!! في حين موضوع الكارثة البيولوجية أو الجرثومية تناولته كثير من المصادر منذ نحو ربع قرن؟

المتأمّل فيالهجرة النّبويّة وإرهاصاتها منذ بيعة العقبةيتوصّل إلى الرّؤية الإستراتيجية للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم واستشرافه المستقبلي لإيجاد دار آمنة لحماية الدّعوة وتأمين استمرارية الإسلام، من حيث الأسباب والظروف والاستعدادات والتّنظيم، بل يوجد من الباحثين منْ ربط الإذن لبعض الصّحابة بـالهجرة إلى الحبشةربطه بنفس رؤية التّأمين الدّعوي الاستراتيجي.

وهو ديدنه صلّى الله عليه وسلّم في كلّ المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها؛ ففي الشّأن العسكري قال بعد غزوة الأحزاب: نغزوهم ولا يغزونا، وغيرها.. بل جعل الاستشراف بالانتصارات روحًا مستمرّة لا تكتئب عبر الأجيال من خلال كثير من البشارات، منها: سُئِلَ رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم: أىُّ المدينتيْنِ تُفتحُ أوّلًا القسطنطينيةُ أو روميَّةُ؟ فقال رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم: “مدينةُ هرقلَ تُفتحُ أوّلًا: يعني قسطنطينيةَالسلسلة الصحيحة، وعن بشير الخثعمي أنّه سمع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقول: “لتُفتحنّ القسطنطينية فلنِعمَ الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش”، قال فدعاني مسلمة بن عبد الملك فحدّثته فغزَا القسطنطينية رواه احمد ورجاله ثقات.

إنّ من أهم نقائصنا في الأمّة المسلمة ونحن بين يدي عام هجري جديد 1442هـ عدم العناية باستشراف المستقبل كرؤية استراتيجية بالشّكل الّذي يناسب موقعنا ودورنا الاستراتيجي، حيث ما زلنا نعيش بتفكير اللحظة والراهن وبشكل تلقائي!! عجزًا أو تذرّعًا بالإيمان بالغيب، في حين معاني استشراف المستقبل متناثرة في مجمل نصوص الشّريعة الصحيحة، الّتي من المفروض أن تكون من مادة درس يوم الجمعة مواعظها؟ بل تجد أحدنا يشرح للأطفال في الكُتَّاب وأقسام الابتدائي قصة يوسف عليه السّلام ودوره بعد خروجه من السجن، وهي عمق الاستشراف الاقتصادي!!

وبالتأمّل في تراثنا الفقهي وأصوله نجد مسائل وقواعد ونظريات متميّزة للعناية بالاستشراف، حيث قام علماء السّلف بالتّأسيس لثقافة استشراف المستقبلكالفقه الافتراضي، والفقه الارتيادي، وفقه الترقب (المترقبات)، وقاعدة اعتبار المآلات، وقاعدة سدّ الذّرائع ضمن نظرية المصالح والمفاسد في الشّريعة الإسلامية، بل يوجد من سعى على نفس المنوال من فقهاء وأصوليين معاصرين، فنجد: فقه الائتمان على المستقبل، وفقه المستحدثات، وفقه التوقّع. لكن إخراج هذا الخير إلى دواليب الحكم والقرار يعاني من ولادة عسرة.

ولعلّه يوجد منْ يسأل: لماذا نستشرف المستقبل -فقهيًا وتخطيطًا- ما دام المستقبل من الغيب وتتلبّسه جملة من التردّدات والظّنون.

والحقّ أنّ المراد بالإيمان بالغيب هو الإيمان بالأمور الغيبية الثابتة كاليوم الآخر والملائكة.. إلخ، أمّا مشكلتنا فهي استشراف المستقبل المبني على المُعطيات الواقعية والنّظر في السُّنن الكونية وغيرها برؤيةنَفِرّ من قدر الله إلى قدر الله، وهو من المأمور به شرعًا كالأمر بالسّير في الأرض، والنّظر في عواقب مَن سبقنا، للخروج من شرنقة حيثيات ومعطيات الحاضر والرّاهن، ولنا في قضية طِبِّـيَة كجائحة كورونا درس وعبرة، حيث صار قرار إقامة الشّعائر الجماعية والعبادات والأركان -في كثير من الدول الإسلامية- بيد منظمات أممية!؟ لغياب الاستشراف، وغياب المرجعية العلمية/ الطبية الثقة للأمّة المسلمة كافة.

والأصل أنّ المسلم ليس مطالباً باستشراف المستقبل فقط، بل هو مؤتمن عليه أيضاً -كما بيّن ذلك الدكتور محمد عبد الفتاح الخطيب- من خلال معالجته لحديث: إِن قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فإن اسْتَطَاعَ ألّا يَقُومَ حتّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ، فهو يحُثّ على هذا المعنى في الشّعور بالمسؤولية تجاه حركة المستقبل، فالمسلم قادر على تشكيل مستقبله وامتداد فعله حتّى بعد الموت!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى