مقالات
أخر الأخبار

وثيقة احترام قيم الجمهورية (مبادئ الثورة الفرنسية العظمى نظرة شرعية) ..الأستاذ عمر دورمان .. رئيس قسم الدراسات الإسلامية ـ كلية العلوم الإسلامية بباريس.

. وثيقة احترام قيم الجمهورية (مبادئ الثورة الفرنسية العظمى نظرة شرعية)

الأستاذ عمر دورمان

رئيس قسم الدراسات الإسلامية

وأستاذ الفقه المقارن والمقاصد الإسلامية

كلية العلوم الإسلامية بباريس.

إن التاريخ ولاّد و لا يزال و سيضل كذلك، فمنه الجيّد النافع، الذي يحقق مصالح البشر، و منه الرديء الفاسد الذي لا ينفع و لكن يضر ” كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ” الرعد 17.

فالإنسانية على اختلاف أديانها و مشاربها، لا تخلوا من خير ينفع الناس، و لا تخلوا كذلك من شرّ يضرهم. ذلك أن الإنسان له ميلٌ إلى الحقّ و الخضوع له يدفعه أن يكون صالحا نافعا لمجتمعه، و عنده من جهةٍ أخرى تلك الجرأة و الميل إلى الباطل و تعدي حقوق الآخر. و إذا نظرنا نظرةً سريعة في تلك المحطات الكبرى في تاريخ البشرية، نجد كلٌ من هذا وذاك.

و من المحطات المهمة في تاريخ البشرية، تلك الثورة الفرنسية التي نتج عنها في أوروبا مبادئ سامية، و التي ينشدها كل إنسان سليم الفطرة مستوي الخِلقة متزن العقل، متشوف لإسعاد الأنام.

و نحن نتأمل تراثنا البشري و نتجول عبر محطاته، لا ينبغي أن نغفل عن الواجب الذي أرشد إليه القرآن الكريم، و حثّ عليه أتباعه من عدم بخس الناس أشياءهم حيث قال ” وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ ” الشعراء 183. بل يجب الحكم على الناس و الأقوام ثم الحضارات بأكثر من ميزان، ذلك أن تعاليم القرآن الكريم تخبرنا أن الله تعالى يحاسبنا يوم القيامة بأكثر من ميزان حين قال ” وَنَضَعُ ٱلْمَوَٰزِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْـًٔا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍۢ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ” الأنبياء 47. تأمل في كلمة ( موازين ) بالجمع لا المفرد حتى يربينا على أن نضع أكثر من ميزان في تحليلاتنا و تقييماتنا للناس و الحضارات، حتى و إن اختلفوا معنا في الدين و المشرب.

و بعد هذه المقدمة نقول: إن الثورة الفرنسية لاحت في آفاق أوروبا قيم ثلاثة يسعد بها كل منصف، و يُقِرها و لا يردُّها إلا من كان في الشنآن مسرف، أو ثقافته للمبادئ الإنسانية جاهل متخلف، و لنصوص الدين الحنيف مبالغ في التأويل متطرف.

إلا أن اليوم حكومة فرنسا و على لسان رئيسها “ماكرون” الذي يتّهم الإسلام و المسلمين الفرنسيين، أن دينهم لا يمكن له أن ينسجم و القيم الجمهورية ( الحرية، المساواة، الأخوة ) إذ يتعذر عليه، على حسب قوله، التكيّف مع مبادئ الثورة الفرنسية التي أرست المنهج العام للولاء القومي، و أسس العقد الاجتماعي.

و للردّ على هذه الشبهة بدون انفعال، و بعد أن اتفقنا سلفا على وضع الموازين المقرِّبة للاعتدال، حتى ننشد الانصاف في الحكم و تحليل الاقوال.

 نقول: هي كلمة حقٍّ من الجانب التطبيقي العملي لهذه المبادئ السامية في البلدان الإسلامية، و باطل صريح من الناحية النظرية الدينية، إذ للأسف الشديد غيبة هذه المبادئ السامية الفطرية، تحت سماء الأراضي الإسلامية، ولأسباب كثيرة، هو الذي شجّع مثل هذه الاتهامات الصادقة من جهة، و غير لازمة للإسلام و المتعدية عليه من جهة أخرى.

مبدأ الحرية:

إن مشكلة الحرية قديم قدم الجدل الذي دار حول مفهوم القدر بين الفرق الإسلامية، فكانت الحرية أوّل مبحث التي بدأت به الفلسفة الإسلامية حيث كانت الحرية مرتبطة بالمسؤولية. فالحرية في النظرة الإسلامية ضرورة من الضرورات الإنسانية، و هي الفريضة الإلهية الغائبة، و التكليف الشرعي الواجب.[1]

كيف لا و تحرير الإنسان من كل عبودية مقصدٌ من مقاصد الإسلام، لا مجرّد موقف فكري نظري لا يتبعه عمل و ذلك بنصوص القرآن الكريم حيث قال ” وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَـًٔا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ  ” النساء 92. قال الإمام النسفي (ت 1310م ) لما أخرج نفسا مؤمنة من جملة الأحياء لزمه أن يدخل نفسا مثلها في جملة الأحرار، لأن إطلاقها من قيد الرقِّ كإحيائها من قِبلِ أن الرقيق ملحق بالأموات.[2] و هذا معنى من معاني الحرية و هو ضد العبودية « و هي أن يكون تصرف الشخص العاقل في شؤونه بالأصالة تصرفا غير متوقف على رضا أحد آخر.[3]

و من معانيها التي بيّنها الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه (ت 644م ) بقوله ” بم استعبدتم الناس و قد ولدتهم أمهاتهم أحراراً “[4] و هو تمكُّن الشخص من التصرف في نفسه و شؤونه كما يشاء دون معارض.[5] إلا المعارض الشرعي و لهذا عرّف الحرية الشيخ علال الفاسي رحمه الله بقوله ” الحرية الإسلامية جعل قانوني يتفق مع إنسانية الإنسان و فطرته، و ليست حقا طبيعياً يستمد من غريزة الرجل المتناقضة.[6] فهي إذن مقيّدة بوصف الإسلام و داخلة تحت تشريعاته.

و من محطات تاريخنا الإسلامي المجيد في مجال الحرية الدينية، تلك الواقعة التي حدثت في مدينة توات بالصحراء الجزائرية، ذلك أن الإمام العصنوني رحمه الله (ت1520م) سُئل عن كنائس يهود الغلائف بتوات، هل يجوز الإبقاء عليها و الحفاظ على مبانيها أم لا؟ فأجاب بالجواز لأنهم من المواطنين المخالفين في الدين، و أن لهم حق التمتع بالحرية الدينية الكاملة، و استدل بأدلة من القرآن و السنة ثم من التراث الإسلامي السمح. فكان من موقفه هذا أن شغّب عليه الإمام المغيلي رحمه الله، و ولده الشيخ عبد الكريم رحمه الله الذي مات مقتولا بسبب ذلك النزاع الذي دارت رحاه بين المجيزين و المانعين، حتى تدخل الإمام العلامة ابن زكري رحمه الله (ت1493م) و كان مرجعا آنذاك في الفتوى و الملقب بشيخ الإسلام فأفتى بجواز إبقاء كنائس اليهود حفاظا على حرية التدين المكفولة شرعا.[7] و هذا كان من أكبر الأسباب التي جعلت اليهود يلجئون إلى الحضائر الإسلامية لمعرفتهم أن الحماية قرآنية سنية.

مبدأ المساواة:

إن المساواة حلم الضعيف الملهوف، و أمله عند غياب شمس الحق حين يغشاها الكسوف، ذلك أن الإنسان اجتماعي بالطبع، يأنس أحيانا بما عليه انطبع، حتى و إن كان إثما فقد يستسيغه ثم للأسف الشديد يتذرع.

يقول البشير الإبراهيمي رحمه الله : كيف لا تنسى العدل أمة لبثتْ في ظلمات الظلم أحقابا، و عقبت في ظل يحمومه أعقاباً ؟… و كيف يجد العدل مجالا بين حاكم لا يسأل عما يفعل، و بين محكوم يُسأل عما لم يفعل ؟[8]

ذلك أن من أهم آثار المساواة، المساواة العدلية في الأحكام القانونية بين الناس، جميع الناس، و قضية العدل قضية شغلت جلّ الفلاسفة و المفكرين و هي التي كانت الدافع الأكبر لأفلاطون (ت347 قبل الميلاد) حتى يكتب جمهوريته، و كان لحديثه عن العدل و معناه القسط الوافر في رسالته. و للأسف الشديد لا تزال قضية العدل و المساواة بين الناس حديث الساعة.

أما حديث النصوص الإسلامية عن العدل، هو حديث الواجبات الشرعية، و التعاليم الربانية، المطالب بها كل مسلم و مسلمة، فبعد أن أخبرنا بالمساواة الإنسانية و رفع من قيمتها إلى درجة الإيمان حيث قال عليه السلام ” لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”[9] رجّح ابن عطية الشبرخيتي رحمه الله (ت1689م) أن الأخوة المذكورة في الحديث، الأخوة الإنسانية فقال الأولى أن يحمل اللفظ على عموم الأخوة حتى يشمل الكافر و المسلم، فيحب لأخيه الكافر ما يحبّ لنفسه.[10] فانظر كيف جعل زيادة الإيمان و كماله بمحبة الآخر المخالف في الدين.

و هكذا نجد التطبيقات العدلية للرسالة الإسلامية بالقول ثم العمل، فهذا النبي عليه السلام حين دخل مكة فاتحاً لها يقنن قوانين ثم يتبعها العمل و التنفيذ مباشرةً، فقال صلى الله عليه و سلم ” ألا إن كل ربا كان في الجاهلية فهو موضوع، و أول ربا يوضع ربا العباس بن عبد المطلب “[11] فسنّ قانونا ثم طبّقه في التوّ على أقرب الناس إليه، ” حتى لا تكون عزة العزيز زائدةً له من آثار التشريع، و لا ضعف الذليل حائلا بينه وبين مساواته غيره من آثار التشريع”[12]

و قد أوجب علينا القرآن الكريم أكثر من ذلك، لا العدل مع الأقارب والاحباب، بله العدل مع أنفسنا ما اقترفنا ظلما، حيث قال تعالى في كتابه ”  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ” النساء135.

ثم ذكر لنا القرآن الكريم حادثة أنزل الله فيها قرآنا يتلى إلى يوم القيامة، جاءت الآيات من السماء بالعدل الإلهي في تبرأة رجل يهودي من سكان المدينة المنورة، اتُهم بالسرقة ظلما و كاد العقاب أن يصله لولا تدارك رحمة الله تعالى.

قال تعالى ” إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ” النساء 105.

قال الإمام الطبري رحمه الله (ت 923م) و لا تكن للخائنين خصيما: يقول: و لا تكن لمن خان مسلماً أو معاهداً في نفسه أو ماله.

خصيماً تخاصم عنه، و تدفع عنه من طالبه بحقِّه الذي خانه فيه. “ وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ” النساء 106. أي استغفر الله يا محمد، و سله أن يصفح لكَ عن عقوبةِ ذنبك في مخاصمتك عن الخائن من خان مالا لغيره. و قد همّ النبي عليه السلام أن يخاصم عن المسلم ضدّ اليهودي، فأمره الله تعالى بالاستغفار مما همّ به من ذلك.[13]

هذا هو العدل الذي ننشده و نسعى إلى تفعيله، و ندعوا إليه حتى يسعد الناس في دنياهم، و الله تعالى يتولاهم في آخراهم.

مبدأ الأخوة:

 إن هذا المبدأ العظيم المسمى بالأخوة الإنسانية، له ارتباط وثيق بالمعتقد الذي يتبناه كل فرد في قرار ضميره عن قصة الإنسان. أمخلوقٌ هو أم جاءت به الصدفة، أم هو منحدرٌ من حيوان، إذ هذ الموقف العقدي من قصة الإنسان هو قطب الرحى و حجر الزاوية في التعامل مع هذا المبدأ العظيم و النافع للبشرية.

و لا أدري كيف يتم الإيمان به، و تفعيله التفعيل الإيجابي، و عالمنا اليوم أصبح مادياً صرفا، و أصبحت المادة هي القيمة الكبرى التي يسعى إلى تحقيقها بكل الطرق الممكنة.

” إن المساواة و الإخاء بين الناس ممكن، فقط، إذا كان الإنسان مخلوقاً لله.[14] إذ هذه الخصوصية، خصوصية أخلاقية و لا يخفى علينا أن الأخلاق مستمدة، و مستوحاة من الدين، فمن لا دين له كيف له الإيمان أو التخلق بهذا المبدأ الروحي ؟

و لهذا نجد القرآن الكريم و قد استوطن رسول الله عليه السلام المدينة، علماً أن من مقاصد الهجرة، الدخول و المشاركة في الحضارة القائمة آنذاك، و من أعظم المبادئ المُكرِمة لضمير الحضارات، مدى خصلة الأخوة الإنسانية التي تتحلى بها تلك الحضارة.

و بما أن الحضارة الإسلامية، وجهها القرآن الكريم، و أمدها بالأخلاق الفاضلة، كانت بشهادة الغير، من أرحم الحضارات على مر التاريخ.

و من توجيهات القرآن الكريم قوله تعالى  ” يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ، واحِدَةٍ، وخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا ونِسَاءً واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ والْأَرْحَامَ ” النساء 01. يقول الإمام الطبري رحمه الله (ت923م) ” وصف تعالى ذكره نفسه بأنه المتوحِّدُ بخلق جميع الأنام من شخص واحد، مُعرفاً عبادهُ كيف كان مُبتدأُ إنشائه ذلك النفس الواحدة، منبِّههم بذلك على أنّ جميعهم بنُو رجل واحدٍ و أم واحدة، و أن بعضَهم من بعضٍ، و أن حقَّ بعضهم على بعضٍ واجبٌ وُجوبَ حقّ الأخ على أخيه، لاجتماعهم في النسب إلى أبٍ واحدٍ و أم واحدةٍ و أن الذي يلزمهم من رعايةِ بعضهم حقَّ بعضٍ، و إنْ بعُدَ التلاقي في النسب إلى الأب الجامع بينهم، مثل الذي يلزمهم من ذلك في النسب “[15]

هكذا يجب الافتخار بهذه التعاليم القرآنية، و بثها في الناس علماً و عملاً.


 راجع: المقاصد العامة للشريعة الإسلامية: د: عز الدين بن زغيبة:142. مفهوم الحرية في المذاهب الإسلامية: د: محمد عمارة: 8.[1]

 تفسير النسفي: مدارك التنزيل و حقائق التأويل: دار المعرفة:245.[2]

 مقاصد الشريعة الإسلامية للإمام الطاهر ابن عاشور:390.[3]

 كنز العمال في سنن الأقوال و الأفعال:4/577. (فصل فضائل الفاروق).[4]

 مقاصد الشريعة الإسلامية للإمام ابن عاشور:391.[5]

 مقاصد الشريعة الإسلامية و مكارمها:244. [6]

 انظر نص السؤال و الفتوى مفصلة في المعيار المعرب للونشريسي:2/214-225. غاية المرام شرح مقدمة الإمام: لابن زكري:2/849-869.[7]

 عيون البصائر للشيخ الإمام:394.[8]

 صحيح البخاري مع الفتح لابن حجر:1/82.[9]

 تهذيب الفتوحات الوهبية بشرح الأربعين النووية:209. [10]

 مختصر صحيح مسلم للحافظ المنذري: كتاب الحج الحديث رقم:707.  [11]

 مقاصد الشريعة لابن عاشور رحمه الله:329.[12]

 تفسير الإمام الطبري رحمه الله:2/550.[13]

 الإسلام بين الشرق و الغرب: علي عزت بيجوفيتش:85.[14]

 المرجع نفسه:2/387.[15]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى