وثائق

وثيقة (تجديد الخطاب الدينى)

وثيقة «تجديد الخطاب الدينى «

«منطلقات تجديد الخطاب الدينى «

تأسيساً على مرتكزات الفكر الإسلامي الوسطى التي درج الأزهر الشريف على اعتمادها نهجاً وغاية، ومراعاة لمنجزات التطور الحضاري التي دعمتها الثقافة العربية الحديثة، واعترافاً بضرورة إعمال العقل النقدي، وتمكين الفكر العلمي، وتنمية منظومة القيم الروحية السامية، التقت مجموعة من كبار العلماء والمثقفين في رحاب الأزهر الشريف بدعوة كريمة من الإمام الأكبر شيخ الأزهر لتدارس التحديات التي تواجه الأمة العربية والإسلامية وتعصف باستقرارها، وأهمها:

– استباحة الدماء باسم الدين والمضي فى الإرهاب بتكفير الناس وترويعهم، اعتماداً على بعض المفاهيم المغلوطة التي تساق لتغطية المقاصد الهدامة فى تمزيق وحدة الشعوب وتبديد طاقتها في حروب أهلية طائفية مدمرة.

– النكوص عن مسيرة الحضارة الإسلامية والإنسانية فى العودة لعصور الاسترقاق واتخاذ السبايا والاتجار بالبشر وذبح الأبرياء وجلدهم لترويع الآمنين.

– رفع شعارات الخلافة الكاذبة لبث الفتنة وتمزيق الأوطان وإلصاق صفة الإسلام بها مخالفة لكل قيمة في الإخاء والمساواة والشورى الديمقراطية.

– استغلال بعض عناصر التراث الفقهي الخاصة ببعض العصور القديمة لتشويه الخطاب الديني وتحريفه عن مقاصده العليا وتوظيفه لخدمة الأهداف المعادية للإسلام.

وعكفت هذه المجموعة على إقامة حوار بناء بين مختلف أطيافها لوضع تصور مبدئي لمنطلقات تجديد الخطاب الديني الكفيل بمواجهة هذه التحديات وصون الفكر الإسلامي من نتائجها الخطيرة وإطلاق طاقته الخلاقة التي أسهمت فى صناعة الحضارة الإنسانية لبناء مستقبل الأجيال القادمة، وانتهت إلى عدد من التوصيات الأساسية على النحو التالي:

أولاً: تحديد مفهوم التجديد باعتباره سنة الله التي فطر الناس عليها، إذ استخلف الإنسان في الأرض وحمله رسالة عمرانها وصنع الحضارة فيها، كما ورد فى محكم الآيات: «هو الذى أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها» وكما أكدت السنة النبوية الشريفة في الإشارة إلى من يبعثهم الله على رأس كل مائة عام لتجديد الدين، وكما تقتضى طبيعة الحياة التي تناقض العقم والجمود والموات، وقد احتفى الفكر الإسلامي في مختلف تجلياته بالتجديد حتى ليمكن اعتباره مرادفاً له، على أن نفهم أن التجديد لا يعنى أبداً التخلي عن الأصول الثابتة كما قد يتوهم بعض المحافظين، بل يتم بتعميق الوعى بالمقاصد الكلية والمبادئ الناظمة للأحكام التي تتنزل على متغيرات الحياة، كما يعنى الإفادة القصوى من الخبرات التاريخية للشعوب الإسلامية بما تمخضت عنه من ازدهار حضاري أضاء العالم فى عصور نهضتها وترك معالمه في تراثها المادي والمعنوي حتى اليوم.

ثانياً: لأن التجديد لا يتم بالطفرة التي تقفز على الواقع ولا بالقطيعة التي تنفصم عن الماضي فإنه يجب الاعتداد بما انتهى إليه فكر كبار المجددين فى الإسلام، خاصة فى العصر الحديث، ابتداءً من الرائد الشيخ رفاعة الطهطاوي وامتصاصه الحكيم لصدمة الحداثة، إلى الإمام محمد عبده الذى أبرز عالمية الإسلام وسبقه إلى أعظم القيم المعاصرة والشيوخ الكبار مصطفى وعلى عبدالرازق وعباس محمود العقاد وطه حسين والشيخ شلتوت وغيرهم من أعلام الدين والفكر والثقافة والنهضة حتى اليوم واعتبار ما أسفر عنه هذا التراث البناء القريب خطوات صائبة فى التطور والتحديث، بما تهدف إليه من ترسيخ العقائد الثابتة، وتطوير التشريعات المتغيرة، واستحداث التوجهات الملائمة لروح العصر وتحولات الزمن، وتغليب المصالح العليا للأمة طبقاً للأولويات التي تفرض نفسها، تحقيقاً لمقاصد الشريعة ومسايرة لحركة الحياة، وتبعاً لمناطق التراكم المعرفي فإنه يجب اعتبار اجتهادات العصور السابقة فيما بعد عصر الأئمة الأول غير ملزمة للفكر الحديث، فهي قاصرة على ظروفها وضروراتها، ولكل عصر أطره المعرفية التي يفهم النصوص ويؤولها ويجتهد فى تطبيقها طبقاً لمقتضيات تحقيق صالح الأمة وخيرها.

ثالثاً: اعتبار المبادئ الأساسية التي رسختها وثائق الأزهر الشريف فى الأعوام الماضية بالتوافق بين علماء الأمة ومثقفيها الحلقة الحديثة في مسار هذا التجديد، في تحديدها لمبادئ طبيعة الدولة ومقوماتها في الحكم المدني الدستوري على أسس ديمقراطية تحقق جوهر العدالة والحرية والمساواة بعيداً عن فكرة الخلافة التاريخية، والتزامها بمفاهيم المواطنة والعدالة الاجتماعية ورعاية المهمشين وسياسة التنمية، وكذلك وثائق منظومة الحريات التي تشمل حرية الاعتقاد وحرية الرأي والتعبير وحرية البحث العلمي والأكاديمي وحرية الإبداع الأدبي والفني، واعتبار هذه الوثائق التي ظفرت بتقدير كل الأوساط العربية والعالمية من قبيل الخطوات الرشيدة التي ينبغي الالتزام بفحواها فى كل ما يصدر فى الخطاب الديني عن المؤسسات المعنية، لأنها تضمن تجديداً فعلياً لهذا الخطاب وتهيئ المناخ لمزيد من التحديث الضروري.

رابعاً: ضرورة التصدي الحاسم لموجات التكفير العشوائي الحمقاء التي تسمح لأى شخص أن يعلن كفر مخالفه واستباحة دمه وماله نقضا لأصول الدين ومواثيقه المتينة، وإهدار الحق في المواطنة، وتحقيقاً لمآرب الجماعات المارقة الساعية للسلطة والإفساد فى الأرض، ومن ثم يجب إعلان انتهاء عصر التكفير وبداية عصر التفكير الرشيد، تأسيساً على ما استقر فى التشريع الإسلامي واعتد به كبار الفقهاء واحتج به الإمام الشيخ محمد عبده بضرورة احترام الاختلاف في الرأي، حتى لو كان يحتمل الكفر من معظم الوجوه، واعتداداً بما انتهت إليه المواثيق والعهود الدولية من الاعتراف بتعدد المشارب والتوجهات ورفض نصب محاكم تفتيش للذمم والعقائد والضمائر، قطعاً للطريق على من ينصبون أنفسهم أوصياء على الناس ويتبرعون بإدانة مخالفيهم استغلالاً لحرمة الأديان وانتهاكاً لحرية الإنسان، فالإسلام يجعل الشراكة الوطنية والمساواة الإنسانية ورفض التمييز العرقي والدين والطائفي والنوعي من أبرز ثوابت المستقرة في النصوص القرآنية والسنة النبوية الشريفة التي سبقت ما انتهت إليه المواثيق الدولية المعتمدة فى هذا الصدد، وانتهاكها جرائم تعاقب بالقانون وتعتدى على صحيح الدين.

خامساً: ضرورة عقد ندوات علمية متخصصة، تدرس أوضاع التشريع فى المجتمعات العربية الإسلامية، وما مر به من تطورات حضارية، مبنية على فهم الأطر الكلية لوجود الأسباب وتحقيق الشروط وانتفاء الموانع، لمواجهة الاتهامات التي ترمى بها هذه المجتمعات من دعاة الغلو والتطرف من عدم تطبيق الشريعة الإسلامية خاصة في بعض الحدود، نظراً لجهلهم بالفلسفة الإسلامية وفقه التشريع المحكم فيها، والفرق بين المبدأ الشرعي الثابت بالنصوص القطعية، والحكم الوضعي الذى يضع في اعتباره الظروف الاقتصادية والاجتماعية للأمة وأهداف ومقاصد التشريع، فينتهى إلى درء الحدود بالشبهات ووقف العمل ببعضها كما حدث فى التاريخ الإسلامي في عهده الأول، ويعمل آليات التعزير والحبس في العقوبات البدنية فيما عدا القصاص، نزولاً على ما تقضى به موجبات الحفاظ على الكرامة الإنسانية، كما يقر ما انتهت إليه المواثيق الدولية، وسبق به الإسلام، من تحريم العبودية والرق بجميع أشكاله، ويرفض بقوة ممارسات الجماعات الباغية التي تسبى النساء وتذبح الأطفال وتعتمد أسلوب التنكيل والتطهير زاعمة أن ذلك من شرائع الإسلام وأعرافه.

على علماء الأمة أن يرفعوا راية الاجتهاد، ويدافعوا عن مبادئ السماحة فى الدين، والرحمة في التشريع، والوعى العميق بتطورات الحياة المعاصرة والتكيف اللازم مع شروطها، مع التسليم المطلق بقدسية النصوص وحقوق التأويل وضرورة التجديد في الفهم، مع اعتبار الأولوية القصوى لرفع شأن الشعوب الإسلامية، بحشد طاقاتها للتنمية وترقية العلوم والفنون والآداب، والدخول الجاد فى سباق الحضارات العلمي، وعصر مجتمعات المعرفة والإنتاج والتقدم، بما يكفله ذلك من تحقيق العدالة الاجتماعية وانتشال الفقراء من هوة الجوع والحرمان، وجعل التعليم الجيد والرعاية الصحية الحقيقية ومحاربة البطالة أهداف مجتمعاتنا الاستراتيجية، بدلاً من المتاجرة بالدين والمزايدة على مبادئه، وإيهام الناس بأنهم قد تركوه وراءهم وابتعدوا عن أحكامه، فما يراه المسلمون من أسباب الرقى والتطور حسناً هو عند الله حسن مادام لا يتجاوز أسسه الثابتة.

سادساً: يتطلب تجديد الخطاب الديني إعادة نظر جذرية في نظم التعليم المصرية، والسعي لتوحيد مكونات العقل ودعائم الشخصية المصرية بقدر الإمكان، وذلك بعقد الندوات وإجراء البحوث واقتراح التشريعات التي تهدف إلى تخفيف حدة الانفصام بين طرائق التعليم المتباعدة في المعاهد الدينية والمدارس المدنية والتعليم الأجنبي، فكل منها يخرج عقلاً مختلفاً جداً، ولابد من تقريب المسافات بينها وإدماجها تدريجياً في منظومة متكاملة ومتجانسة، لا تلغى تعددها بقدر ما تضمن قدراً من الاتساق بينها والتناغم بين مكوناتها الأساسية فى اللغة والتفكير العلمي والثقافة بتأسيس قواسم مشتركة بينها، تحافظ على الهوية الوطنية وتطلق طاقات الإبداع وترسخ القيم الروحية، مع الانفتاح على تقنيات العصر وأدوات النجاح فيه. يتطلب التعليم خطوات جادة وجهوداً مخلصة للارتقاء به وتنظيم مستوياته وضمان اتساق مخرجاتها مع اكتساب المهارات العلمية والعملية والتواصل المثمر مع حركة البحث العلمي والتربوي.

سابعاً: كما يقتضى تجديد الخطاب الديني إعادة تأهيل الدعاة وخطباء المساجد فى الكليات المتخصصة للالتزام بالضوابط العلمية والمنهجية وأصول الخطاب فى عملهم، بحيث يتم تدريبهم دورياً على استيعاب معطيات الفكر الديني الوسطى الرشيد والبعد عن التطرف والغلو والتعصب، وتوسيع مداركهم بالحوار مع علماء الاجتماع والاقتصاد والأدب والفن والثقافة لهضم محصلة التطور الحضاري وتنقية خطابهم من الخرافات والأفكار الخطرة على أمن المجتمع وسلامته، وحثهم على مواصلة البحث العلمي في التاريخ الحضاري للإسلام والحفاظ على مقتضيات التعايش وروح المواطنة وقيمها الضرورية مع العناية بأوضاعهم المادية وتمكينهم من مقاومة إغراءات الجماعات المتطرفة، وطرح مسابقات بينهم فى القراءة المعمقة لأهم كتب المجددين فى الفكر الديني لإشاعة روح التنافس الإيجابي في استيعاب أفكارهم وتشجيعهم على الكتابة فيها بنشر الأبحاث والمحاضرات الفائزة والترويج لتداولها بين كل الدعاة والوعاظ.

وتحقيقاً لهذه الأهداف فى تطوير الخطاب الديني وتجديده لابد من مراعاة السبل والوسائل الآتية:

– استمرار التعاون المثمر بين كبار العلماء والمثقفين في تشكيل الفرق البحثية المعنية بمواجهة الخطابات المشوهة لمفاهيم الإسلام ومصطلحاته في الجهاد، ودار الحرب والخلافة، ونقض فقه التوحش الهدام وكشف أباطيله منهجياً وعلمياً.

– دعوة وسائل الإعلام لتحرى الدقة والموضوعية فى عرض المواد المتصلة بالخطاب الديني ومقارعة الحجة بالحجة ونبذ أسلوب التنابذ والتكفير والمزايدة وإقحام الخلافات السياسية فى قضايا العقيدة والفكر والثقافة.

– مراجعة مناهج التعليم بشكل منتظم لضمان التزامها بمحددات هذه التوجهات في كل موادها في المراحل المختلفة، واقتراح التعديلات المنهجية لتقريب مستويات التعليم الديني والمدني والأجنبي في التعليم الأساسي على وجه الخصوص.

– استئناف جهود الأزهر الشريف في التقريب بين المذاهب الإسلامية اتقاءً للفتنة وتوحيداً للأسس والمبادئ المشتركة بين كل الفرق، والدعوة لعقد لقاءات علمية بين مرجعيات هذه الطوائف لتفويت الفرصة على أعداء الأمة الإسلامية.

– حث وزارة الثقافة على تبنى مشروع لنشر كتب رواد تجديد الخطاب الديني في طبعات شعبية وإقامة الندوات حولها، مع البعد عن القضايا الإشكالية وتجميع كلمة الأمة على محاربة الاتجاهات المنحرفة المتطرفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى