مقالات
أخر الأخبار

(وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) بقلم : أبو أنس إسماعيل محمد

(وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)

أبو انس إسماعيل محمد

             توجد كثير من الدراسات اعتنت بموضوع المكفوفين من حيث القدرات و الإبداعات،من ذلك(العلماء المكفوفون وآثارهم في التراث العربي الإسلامي،دراسة تاريخية انتقائية)للدكتورين رضا جياد، وعلي مشالي،حيث تمثل الدراسةعرضاً مستفيضاً لشريحة من العلماء المكفوفين من العرب المسلمين الذين كان لهم الأثر المميز في مختلف المجالات العلمية..لاسيما الذين أسهمت انجازاتهم في إثراء مجالات فكرية وعلمية عدة.حيث خلّفوا مصنفات فكرية وعلمية لا تزال خالدة ونفعت البشرية“.

            ولأهمية هذه الفئة من الناس خصصت الأمم المتحدة يوما عالميا للاحتفاء بهم،و هواليوم العالمي للغة بريلالمصادف لتاريخ: 04 كانون الثاني/يناير؛بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة والمعتمد في نوفمبر 2018م؛

          “برايلهي طريقة الكتابة و القراءة لدى المكفوفين،بجعل الحروف رموزاً بارزة على الورق مما يسمح بالقراءة عن طريق حاسة اللمس،و هو اختراع أتم النقص الذي يعانيه_ في التعلم و القراءة و البحث_ فاقد جارحة البصر،مما سهّل عليهم الاندماج مع باقي المتعلمين.و الاختراع يُـنسب لمخترعه الفرنسي لويس برايل(ولد في 4 يناير عام 1809 في فرنسا)، الذي عانى من فقد البصر، إلا أنه وجد الاهتمام والتشجيع من أسرته و أهل بلدته فكان متفوقا.

         ويُحتفل باليوم العالمي للغةبريللتعميق الوعي بأهمية هذه الطريقة في الكتابة و التواصل بالنسبة للمكفوفين،والتأكيد على  العناية بهذه الفئة في المجتمع،و رفع الحرج عنها و شعورها بالنقص تجاه الآخرين.غيره انه قد وردت كلمة أعمىبتعابير مجازية كثيرة و متنوعة،وهي مشهورة في استعمالات الناس،ويحملها الجميع على المجاز و ليس الإهانة والتعاير، وقد قال صلاح الدين بن أبيك الصفدي: “قَـــــــــــــــلَّ أن وجد أعمى بليدا، ولا يرى أعمى إلا وهو ذكي..”

         وقد اعتنى الإسلام بكل فئات المجتمع_ خاصة ذوي الاحتياجات الخاصة _ باعتبار ذلك من مقاصده و كلياته منها العدل و المساواة بين الناس،ورفع عنهم أي حرج أو لوم، فان حٌرموا نعمة البصر ونور العين، لم يحُرموا البصيرة، ونور القلب، وذكاء العقل، وفصاحة اللسان .قال تعالى: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ) الفتح17،و أيضا( لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ..)النور61، وقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم🙁 إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)،و عمليا فقد ولى الرسول صلى الله عليه و سلم ابن أم مكتوم على المدينة عندما خرج لإحدى غزواته(ثلاث عشرة مرة)،كما استخلفه في حجة الوداع ،و هو رجل مكفوف.

            بل حرم الإسلام التنمر أو السخرية من هذه الفئات قال تعالى🙁يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم..)،و عبر التاريخ فتحت الإسلام الباب واسعا أمام هذه الفئة في مختلف المجالات،و اعتبر هذه الفئة من أبناء المجتمع _ و إن فقدت جارحة البصر_ فان البصيرة هي الأساس،و القلوب الحية الذاكرة هي مرتكز الرؤية (وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)الحج46،

            ويوجد من الصحابة المشهورين من كان مكفوفا، منهم:عبد الله بن عباس ترجمان القرآن؛عبد الله بن أم مكتوم الشهيد الأعمى،جاهد واستشهد في معركة القادسية تحت قيادة سعد بن أبي وقاص.ومن كبار التابعين المكفوفين و المعروفين في مجال العلم و البحث:عطاء بن أبي رياح وأبي عبد الرحمن السلمي،،ومن كبار الأئمة العلماء النيسابوري،الإمام الترمذي الحافظ صاحب سنن الترمذي المشهورة (الكتب الستة)،وشاعر الحكماء والفيلسوف أبو العلاء المعري، صاحب كتابرسالة الغفران“.

           وبمراجعة الثروة الفقهية نجد من الفقهاء من حدد نفقة المكفوفين و غيرهم  على عاتق بيت مال المسلمين،و الخليفة عمر بن عبد العزيز حث على إحصاء عدد المعوقين في الدولة الإسلامية،أما الخليفة الوليد بن عبد الملك فقد أعطى كل مقعد خادماً وكل أعمى قائداً،وأنشأ الخليفة المأمون مآوٍ للعميان في بغداد والمدن الكبيرة .

             ويوجد في هذا الزمان من الأعلام في العالم في مختلف الفنون مَنْ كان فاقدا للبصر،من المسلمين منهم:

  •  سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله. (1910 – 1999م)،من كبار علماء السعودية،تولى رئاسة هيئة كبار العلماء السعودية، ورئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء،وترأس المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي،تجاوزت كتبه40 كتابًا في مختلف الفنون الإسلامية.
  • عبد الحميد كشك(1933_1996م)هو الداعية الإسلامي المشهور الذي حظي بمكانة واسعة كأحد أبرز خطباء القرن العشرين في العالمين العربي والإسلامي.
  • الدكتور طه حسين(1889 – 1973م)أحد كبار المفكرين العرب الذي أصبح عميد الأدب العربي،ووزيراً للثقافة،
  • §         ومن كبار من اشتهروا بالموسيقى والتلحين سيد مكاوي،عمار الشريعي، 

          فالمكفوف شخص عادي و هو عنصر أساس في المجتمع،فمن الناحية الشرعية لا يتأخر عن البصير، ولا يوجد بينهما من الفروق إلا ما يقتضيه هذا النقص الحسي،فالأعمى يلى النكاح، ويكاتب،ويؤم الناس في الصلاة، ويبيع ويشتري،ويجوز ذبحه، ويصح أن يكون وصيا، وتجب عليه الجمعة إذا وجد قائداً،ويلزمه الحج إذا وجد مع الزاد والراحلة قائدا..و من الناحية المدنية و السياسية يمارس كافة حقوقه،بدون ضرر ولا ضرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى