مقالات
أخر الأخبار

اعتناء الإسلام بالمعاقين في المجتمع… مقاربة تربوية

اعتناء الإسلام بالمعاقين في المجتمع... مقاربة تربوية

الشيخ  إسماعيل

 

           المعاق أو أصحاب الاحتياجات الخاصة أو الهمم الخاصة: هم مَن ابتُلُوا بقُصُورٍ أو خَللٍ وَظِيفيٍّ مُستدِيم؛ حَرَكيٍّ أو حِسِّيٍّ أو عَقْليٍّ، وُلِدَ بهِ أو أُصيبَ بهِ بعدَ وِلاَدَتِهِ، (الصمم -البكم -العمى -العرج -السفه -الإعاقات العقلية -أنواع الأمراض كالبرص… وغيرها)،وهُم جُزء مِن بِنَائِنَا ونَسيجِنَا الاجتماعيِّ، من عَناصِرُ الفَعَّالَة في بِنَاءِ المجتمع، إذا تُوَفَّرَت لَهُمُ البِيئَة الصَّالحة والظُّروف الملائِمَة لِمَنحِهِم الفُرَص الحقيقيةَ المناسِبة مِن أَجل حَياة لائِقَة، في تَوظِيف القُدُرَات واستثمَارِهَا.

         واول احتواء لهذه الفئة جاء في القرآن الكريم اذ صحح مفهوم الإعاقة ووجه الأنظار إلى أن العوق في النفس والفكر لا في الأجساد، قال تعالى: (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور).

        وجعل النبي صلى الله عليه وسلم مقياس الخيرية والتميز بين أفراد المجتمع محصور فقط على ما وقر في القلوب من التقوى، قال صلى الله عليه وسلم:(إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)، وكأنه يربي المجتمع على أنهم سواسية باختلافاتهم، ففتح أمام الجميع ميدان التنافس والتسابق ولكل مجتهد نصيب.

    وتربويا كان القرآن واضحا في المسألة، قال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ) [الحجرات: ١١]

و في السنة النبوية نصوص صريحة تدعوا الى ادماج ذوي الهمم الخاصة، و العناية بهم، و اعتبرت ذلك من العبادة و فعل الخير؛ قال صلى الله عليه وسلم:(من كانَ في حاجَةِ أخِيهِ كانَ اللَّهُ في حاجَتِهِ) [صحيح البخاري] وقال ايضا:(تَرَى المُؤْمِنِينَ في تَراحُمِهِمْ وتَوادِّهِمْ وتَعاطُفِهِمْ، كَمَثَلِ الجَسَدِ، إذا اشْتَكَى عُضْوًا تَداعَى له سائِرُ جَسَدِهِ بالسَّهَرِ والحُمَّى ([صحيح البخاري]، وقال صلى الله عليه وسلم:(إنَّما يَرْحَمُ اللَّهُ مِن عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ) [صحيح البخاري].

        فالإسلامِ نظر إليهم على انهم مِن شَرائِحِ المجتمعِ، لَهُمْ سَائِرُ الحقوقِ الَّتي للفردِ الصَّحيحِ، بلْ لَهُم حُقوقٌ أُخرَى انفرَدُوا بِهَا، مُراعاةً لأَحوَالِهِم وحَاجَاتِهِم.

        فقد حَفِظَتْ لَهُمُ الشَّريعةُ الكَرامةَ والعَدلَ والأمنَ والمُسَاواةَ، وكَفَلَتْ لَهُم حَقَّهُم فِي التَّعليمِ والصِّحةِ والعَملِ والتَأهِيلِ وإِبرَامِ العُقُودِ، والتَمَلُّكِ، والميراث، وتَولِّي الوَظَائِفَ الشَّرعيةَ والإِداريةَ الممكنة، وقد خفف الإسلام عنهم وأَعفَاهُم مِن مُهمَّةِ القِتالِ والدِّفاعِ عَنِ الأَوطَانِ لهذِه العِلَّةِ؛ قالَ تعَالى (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ)؛ووضع الإسلام قاعدة تدفع عنهم المشقة والحرج، فقال سبحانه “لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا”، ورغم هذا ذكر لنا التاريخ نماذج متميزة لهذه الفئة.

         وفي التشريع الإسلامي تمت مراعات احوال المعاق عند تكليفه، ولم يحمّله ما لا يطيق، أو ما لا يتناسب وقدراته وطاقته، وبينت أن الإعاقة تخفف التكليف كالمرض، ويكتب له الأجر كاملاً، قال صلى الله عليه وسلم:(إذا مرض العبد أو سافر كَتَبَ الله تعالى له من الأجر ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا)،رواه البخاري.

         وتاريخيا _في بعض الحضارات_ كان استقبَال هؤلاء الضُّعفَاء والعَجَزَة غير لائق، ففي عَهدِ الإِمْبِرَاطُورِيَّةِ الرُّومَانِيَّةِ يُذكَرُ أنَّ المُعَاقِينَ يُترَكونَ للموتِ جُوعًا؛ أَو يُرْمَوْنَ في الصحراءِ، كِبارًا كَانوا أَو مَوالِيدَ، لِتأْكُلُهُمُ الطُّيورُ والسِّبَاعُ.

         وفي الهند توجد فئة المنبوذين التي تعتبر مهملة من أي حق في بلد كبير كالهند، وفي بلدان كثيرة مثل ألمانيا خلال الحربــــين العالميتين، ففي هذه البلاد كرّس القانون التفرقة العنصرية وهضم الحقوق وانعدام المساواة

 

       في التَاريخِ الإِسلامِ نجد ذَوُو الاحتياجاتِ الخَاصَّةِ قد تمتعوا باحتِرَامٍ وتَقدِيرٍ كَبيرَيْنِ، بدءاً بالنموذج في العهد النبوي وهو الصحابي عبد الله بن أم مكتوم الذي أنصفه الوحي حيث جاء ذكر قضيته في القرآن الكريم.

     وأمير المؤمنين “عُمَرَ بنِ الخطَّابِ” -رضيَ اللهُ عَنهُ-بَادَرَ إِلى سَنِّ أَوَّلِ نِظامٍ اجتِمَاعيٍّ في العَالَمِ لحمَايةِ المستضعَفِينَ والمقعَدِينَ والأَطفَالِ، وذَلكَ بإِنشاءِ دِيوَانٍ للطُّفُولَةِ والمستضعفينَ، وقَد فَرضَ للْمَفْطُومِ والْمُسِنِّ والمُعَاقِ فَريضةً إضَافِيةً مِن بَيتِ المَالِ.

        وقَد بَلغَ مِن اهتِمَامِ “عمرَ بنِ عَبدِالعزيزِ “-بهذِهِ الفِئَةِ أَيضاً، أَنْ عَمِلَ علَى إِحصاءِ المعَاقِينَ في دَولَتِهِ، وخَصَّصَ مُرَافِقًا لكُلِّ كَفيفٍ، وخَادِماً لكلِّ مُقْعَدٍ لا يَقوَى علَى القِيامِ.

      وقَضَتْ تَشرِيعَاتُ المسلمينَ أَنْ يَكُونَ بيتُ المال (الدولة) مَسؤولاً عَن نَفقةِ العَاجِزِينَ مِنَ المعَاقِينَ.

وَبنَى الخليفةُ “الوَلِيدُ بنُ عَبدِالملكِ” أَوَّلَ مُستَشَفىً للمَجْذُومِينَ (880هـ)، وقَد أَعطَى كُلَّ مُقْعَدٍ خَادِمًا، وكلَّ أَعمَى قَائِدًا.وبَنَى الخَليفَةُ “المأمُونُ” مَأوىً للعُمْيانِ والنِّساءِ العَاجزَاتِ في بَغدَادَ والمُدُنِ الكَبيرةِ، كمَا بَنَى السلطانُ “قَلاوونُ” مُستَشفىً لرعَايَةِ المعَاقِينَ.

        فكُلَّ هذه الإنجازاتِ الاجتماعيةِ لهذِه الفِئةِ التي تعتبر جزاء من المجتمع تَمَّتْ في الدولة المسلمة قَبلَ مِئَاتِ السِّنينَ، وقَبلَ أَن تُقِرَّهَا وتَدعُوَ إليهَا المنظماتُ الحقوقيةُ، والجمعياتُ الخيريةُ في العُصُورِ المتأخِّرةِ، كحقيقة ان الإسلام لا يفرق بين افراد المجتمع اطلاقا.

         بل يعتبر التشريع الإسلامي و تطبيقاته الواقعية أنَّ الإعاقةَ ليست سببا للخُمُولِ والرُّكُودِ أو التَّنَصُّلِ مِنَ المسؤوليةِ والحَركَةِ في الأرضِ والإِسهَامِ في كافَّةِ مَجالاتِهَا الدينيةِ والدُّنيويةِ، فالإِعَاقةُ وإنْ حَرَمَتْ صَاحِبَهَا شَيئا مِنَ المجَالاتِ، فإنَّ ثَمَّةَ مَجالاتٌ لا حَدَّ لَهَا يَستطِيعُ مِن خَلالِهَا تَحقيقَ أَعلَى الإِنجازَاتِ وأَفضلَ الأَعمالِ، والتَّاريخُ حَافِلٌ بالمِئَاتِ مِن العُلماءِ والمفكِّرينَ والمختَرِعينَ، مِمَّن لَم تَمْنَعْهُمْ إِعاقَتُهُمْ عَن الإِنجَازِ والإِبدَاعِ.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى