مقالات
أخر الأخبار

الإسلاموفوبيا وفن صناعة الخوف

الإسلاموفوبيا وفن صناعة الخوف

عبد الصمد اليزيدي،أمين عام المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا

لئن كان التخويف من الإسلام قد أخذ في تاريخالعلاقة الأوروبية الإسلامية البعد الخارجي بسبب كون المسلمين لم يكونوا يعيشون في الغالب إلا في دولهم الإسلامية، فإن الوجود الإسلامي في الغربقد أضاف إليه بعدا جديدا وهو البعد الداخلي، حيث أصبح أهم أهداف هذا التخويف هو منع المسلمين من الحصول على حقوقهم الطبيعية التي تفرضها دساتير وقوانين العصر على دولها.

وقد ظهر مصطلح الإسلاموفوبيا كتعبير عن الخوف المرضي الجماعي من الإسلام وتم إدراجه في القواميس في أوج استقرار المسلمين في الغربفي التسعينات من القرن العشرين وتوسع استعماله بعد أحداث سبتمبر.

يمكن اختصار المشتغلين على هذا التخويف في الغربفيثلاث جهات أساسية:

  • المؤلفون الذي يسهرون على صياغة المعلومات الإسلامية بطريقة تجعله مخيفا، وتحاول أن تبرز ذلك في ثوب علمي.
  • الإعلام الذي يقوم بتغطية القضايا الإسلامية بطريقة انتقائية تركز على بعض السلبيات وتعظم من شأنها ويستدعي إلى نقاشها أشخاصا متحيزين لتأطيرها.
  • مجموعة من السياسيين الذين يبنون برامجهم على هذا المجال ويقنعون بها أتباعهم ويَعِدُون _بناء على ذلك_ بالتضيق على المسلمين حتى يحجم من الضرر الناتج عن حصولهم على حقوقهم الأساسية.

وتتظافر جهود هذه الفئات الثلاث لإنشاء مقولات عن الإسلام والمسلمين تدعي أن قيم الإسلام تتناقض مع القيم الغربية بحيث لا يمكن تلاقيهما بأي شكل من الأشكال، فهو يعطي السيطرة للرجل على المرأة ويحرمها من حقوقها، وهو يكره المخالف له وينتظر الفرصة للقضاء عليه والسيطرة على ثرواته واستعباد أهله ثم الحكم بعد ذلك بقوانين قاسية يجلد بسببها الإنسان وتقطع يده إلى غير ذلك من الأمور المخيفة،،،

كما تتظافر هذه الجهود لتفسير كثير من الأمور التي لها علاقة مباشرة بالمسلمين، فلجوء أعداد كبيرة من المسلمين إلى الغربمقصود به تغيير الحالة الديموغرافية للسكان في الغربلصالح المسلمين ليتمكنوا من السيطرة على مقاليد السلطة في الغرب، وحرص المسلمين على أكل الحلال وإظهار شعائرهم هو من باب الحرص على أسلمةالغرب، إلى غير ذلك من التفسيرات الغريبة.

كل هذه المقولات وهذه التفسيرات توجد في المجتمع الغربي توجسا عاما من الإسلام والمسلمين يشتغل عليه كثير من السياسيين لكسب أصوات المتأثرين بها في الانتخابات، ففي ألمانيا على سبيل المثال نشأ حزب خاص بنى برنامجه على كره الإسلام والتخويف منه، وهو (حزب البديل الألماني) الذي لا يخلو برلمان من برلمانات ولايات ألمانيا الستة عشر من وجود فرق تمثله، وتنادي داخل البرلمانات بالتضييق على المسلمين، إضافة إلى حصوله على أكثر من عُشُرِ مقاعد البرلمان الاتحادي، على أنه لا يخلو حزب من الأحزاب الموجودة في ألمانيا من أفراد يمارسون هذا الخطاب وفي كثير من الأحيان لا يجد من أفراد حزبه من يرد عليه، مما يدل على وجود تراجع عام في المكتسبات الغربية في مجال الحقوق، وتثبت الدراسات أن المسلمين أكثر تعرضا للتمييز في هذا المجال.

هذا الوجود السياسي أعطى لمعنى الخوف من الإسلام بعدا جديدا، حيث وجد المحرضون على الإسلام والمسلمين من يمثلهم ويدافع عنهم، مما أدى الانتقال به إلى مستوى آخر من التعامل مع المسلمين، حيث أصبح شتمهم وتهديدهم في وسائل الإعلام أمرا عاديا، بل تطور الأمر إلى تحويل هذه التهديدات إلى أعمال عدائية تتمثل في العنفالجسدي واللفظي الذي يحصل، خصوصا تجاه المسلمات المحجبات، إضافة إلى الهجوم على المؤسسات الإسلامية التي تثبت الإحصائيات تناميها بشكل كبير في الفترة الأخيرة.

والأخطر من هذا أن الأمر انتقل إلى المؤسسات التي يفترض أن تحمي أفراد المجتمع من هذه الاعتداءات، حيث أصبحت مؤسسات الدولة المكلفة بحماية جميع المواطنين مثل مؤسسة الشرطة والمؤسسة العسكرية ومؤسسة حماية الدستور مرتعا خصبا لمن يحملون هذا الفكر.

 وتتجلى خطورة هذا الأمر في كون هذه المؤسسات تستعمل إمكانيات الدولة لحماية المعتدين وتمكينهم من الاعتداء على المسلمين والتستر عليهم عند التحقيقات القضائية، بينما يفترض فيها أن تحمي جميع مواطنيها وتوفر لهم الأمن لعيش كريم.

هذا الواقع يفرض على المؤمنين بالقيم الحقوقية والحريصين على تماسك مجتمعهم بكافة فئاته أن يضعوا يدا في يد لمواجهته ليس فقط بالجانب القانوني وحده على أهميته، وإنما أيضا بتظافر الجهود الاجتماعية والسياسية والثقافية والدينية.

ومن هذه الجهود ما يقوم به تحالف كليم {Claim} بجهد كبير في تنوير الناس بالموضوع عبر إقامة أنشطة نخص منها: الأسابيع الخاصة بمحاربة العنصرية. وهو تحالف يضم عشرات المؤسسات والشخصيات من المسلمين وغيرهم، وعلى رأسها المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا.

وبجانب هذه الجهود يبرز أيضا دور بعض المؤسسات الدستورية في توفير الغطاء السياسي المطلوب، مما يدل على وجود وعي بخطورة ما يحصل في ألمانيا في هذا الملف، ويأتي على رأس ذلك المؤسسة الرئاسية التي ما فتئت تعبر عن دعمها لمثل هذه الجهود من خلال خطابات رئيس البلاد الواضحة في الفترة الأخيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى