مقالات
أخر الأخبار

تجربة الجزائر في تحقيق “الأمْن الرُّوحي” ومُجابهة التّطرف

تجربة الجزائر في تحقيق “الأمْن الرُّوحي” ومُجابهة التّطرف

د/ بومدين بوزيد، الأمين العام للمجلس الإسلامي الأعلى

ارتبط الإسلام في الجزائر تاريخياً بتحرير الأرض والإنسان، ومع الاستعمار الفرنسي 1830 تكّونت هُويّة التحرير على أساس عقائدي، فثورات (المقاومة) القرن التاسع عشر قادها فقهاء ومشايخ باسم الجهاد، وفي القرن العشرين زاد الوعي بالوطنية وتأثير الحربين العالميتين والتطورات العالمية في ظهور “الحركة الوطنية” و”الإصلاحية” التي أسّسها الشيخ عبدالحميد بن باديس (ت 1939) الحركتان شكَّل الإسلام مضمون خطابهما وبرامجهما السّياسية، خصوصاً الحركة الإسلاميّة، هكذا تشكّل وعي وطني مضمونه الدّين لعب دوراً في بروز شباب جديد قاد الثّورة الشّعبية التّحريرية، وبعد الاستقلال كانت الدّساتير والمواثيق تنصّ على أنّ “الإسلام دين الدّولة” واعتبرت “الشريعة” مصدراً للتشريع خصوصاً في مجال الأسرة والميراث، لكن نظرا للخلفية التاريخية والانتماء الايديولوجي للجزائر الإشتراكي ونفوذ “النُّخبة الفرنكوفونية-اليسارية” بدا الصراع بين تيارين: التّيار اليساري والتيار الإسلامي منذ فتح قاعة صلاة بمسجد جامعة ابن عنكون من طرف مالك بن نبي سنة 1969، ثم تطور الصراع في النقاش حول الميثاق الوطني (1976) وكان لأفكار حسن البنا وسيد قطب الحُضور القويّ في السبعينات من القرن الماضي، أعقب هذا الجو المشحون في الجامعة والمجابهة بين التيار الإسلامي (الإخواني) بالخصوص والسلطة تَجمُّع الجامعة الشهير للإسلاميين سنة 1982 وحضرته أبرز قيادات الحركة الإسلامية وكان لمقتل كمال أمزال الطالب الناشط في الحركة البربرية اليسارية أثره، فسُجِن بعض قيادات هذه الحركة، ليكون أول عمل إرهابي قام به مصطفى بويعلي أمير الحركة الإسلامية المسلحة التي كان هدفها إقامة الدولة الإسلامية، وتم القضاء عليه سنة 1997، وهي كلّها ممهّدات لمرحلة الإرهاب في التّسعينات التي أعقبت توقيف الانتخابات، هذا جعل الدولة تقوم بما يلي:

1 – الاهتمام بقطاع الشؤون الدينية والمدارس القرآنية، حيث تأسّست معاهد تكوين الأئمة ومعلمي القرآن وفق برنامج يراعي هدفين أساسين: بيداغوجيا بتدريس الفقه المالكي والاهتمام بالأشعرية (في العقيدة) وتاريخ الجزائر ومناقب علمائها، وهذا لترسيخ ما تسميه أدبيات وزارة الأوقاف (المرجعية الدينية)، أي التركيز على القيم الوسطية والاعتدال الموروثة من التاريخ الحضاري للأندلس والمغرب العربي، دون أغفال الاطلاع على المذاهب الفقهية السنية من غير المالكية.

2- تسوية وضعية موظفي قطاع الشؤون الدينية حيث أصبحوا مثل بقية الموظفين في القطاعات الأخرى من حيث الحقوق والامتيازات.

3- تشجيع الدولة الجزائرية لبناء المساجد والمدارس القرآنية ولكنها خاضعة من حيث التسيير والمراقبة للدولة، فلا مساجد حرّة أو خطباء أحرار، وحتى المصليات في الجامعات والمصانع والمؤسسات تكون تحت مسؤولية القطاع الذي تتواجد فيه المصليات. (عدد المساجد يقارب اليوم العشرين ألف مسجدا).

4- كما لعبت الدولة في اجتثاث الإرهاب على المستوى الإعلامي في تأسيس قناة القرآن الكريم التلفزيونية وقبلها قناة إذاعية وبرنامجها يخضع لتصورات تقديم إسلام يراعي الخصوصية الثقافية والمذهبية للجزائر، كما كان لسنوات العواصم الثقافية (تلمسان وقسنطينة) ميزانية خاصة في إقامة الملتقيات الفكرية وطبع الكتب التي تدعو إلى التسامح والاعتدال والوسطية، وهناك مؤتمرات قارية سنوية في هذا الموضوع من غاياتها تفكيك خطاب التطرف.

5- على المستوى التشريعي والسياسي قننت الدولة نهاية التسعينات وبداية الألفية “قانون الوئام المدني” ثم “المصالحة” التي كانت بداية لمّ الشمال ونزول أغلب الجماعات الإرهابية من الجبال وتسليم أسلحتهم ودخولهم في الحياة المدنية، وتمّ تعويض المتضررين من الإرهاب.

6- الدولة الجزائرية انتبهت إلى خطورة “العرب الأفغان” الذين عادوا في التسعينات واستخدموا خبرتهم في العمل المسلح، ولذلك منذ أكثر من عشر سنوات عملت على ملاحقة كل منابع التجنيد في جماعات داعش الإرهابية خصوصاً عير الميديا الاجتماعية، وهذه اليقظة الأمنية في التنبه والاستباق في إحباط التجنيد حال دون التحاق العشرات بداعش في العشر سنوات الأخيرة، كما جففت منابع تمويل الإرهاب من خلال الحرب على التهريب والمخدرات مصدران يمولان بعض الجماعات في الساحل الإفريقي الذي يبقى تهديداً حقيقياً للبلدان المجاورة.   

7- ربما تستطيع أي دولة الانتصار على الإرهاب والعمل المسلح لكن يبقى “التطرف” كفكرة أو تيار يحتاج عملاً مكثفاً على مستوى تفكيك خطابه وتجفيف منابعه في المدرسة والمسجد والإعلام وهو ما جعل القائمين على تسيير الشأن الديني يشددون في توظيف الأئمة على حفظ القرآن الكريم والالتزام بالمرجعية المذهبية والخصوصية والالتزام بالوسطية والاعتدال في خطب الجمع والدروس، كما أن “المفتشية العامة” لهذا القطاع تقوم بدور “الأمن الروحي” في المتابعة الميدانية لتحقيق السكينة والطمأنينة للمصلين ومرتادي المساجد، وقد يكون “جامع الجزائر” الجديد حصناً روحياً ومنارة حضارية في نشر قيم الاعتدال والتسامح واحترام الآخر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى