مقالات
أخر الأخبار

بالمناسبة .. »إنما بُـعـثــت معلِّمًا«

بالمناسبة:

»إنما بُـعـثــت معلِّمًا«

بقلم: أبو أنس اسماعيل

         مع صدور هذا العدد من مجلتنا تبدأ المدارس _في اغلب دول العالم_ في حركية ونشاط بعد عطلة صيفية طويلة، حيث تبدأ حركة الأطفال والاولياء في التواصل مع المدارس، لينطلق التلاميذ في قوافل العلم والتربية والمعرفة، وتنطلق معها زوبعة الحكوميين والإداريين والسياسيين في الخطابات، وتبدأ مع ذلك حركية إعلامية كبيرة في مختلف الوسائل والوسائط، كما تبدأ _كذلك_ حركة اقتصادية وتجارية عملاقة في مختلف التعاملات، الى غير ذلك مما يدخل تبعاً للمدرسة من مواصلات وأنشطة متنوعة…

           ولعل المحور المنسي _غالبا_ في كل هذه الموجة الضخمة هو “المعلم”، لأسباب مختلفة، مع ان الأمم المتحدة و اليونسكو جعلوا يوما دوليا للاحتفاء بالمعلم، الذي يصادف تاريخ 05 تشرين الاول (أكتوبر) من كل سنة، حيث تأسس هذا اليوم في عام 1994، للاحتفال بتوقيع عام 1966 على توصية اليونسكو / منظمة العمل الدولية بشأن وضع المعلمين، والتوصية كانت أداة لوضع معايير تتناول وضع وحالات المعلمين في جميع أنحاء العالم، وتحدد هذه التوصية المعايير المتعلقة بسياسة موظفي التعليم والتوظيف والتدريب، بالإضافة إلى التعليم المستمر للمعلمين وتوظيفهم وظروف عملهم.

          ويعاني “المعلم” في مهنته مشاكل لا حصر لها، فيكفي ان نذكر _على سبيل التمثيل _ ان في أفريقيا وجنوب آسيا، هناك أكثر من ضعف عدد التلاميذ لكل معلم مقارنة بأوروبا وأمريكا الشمالية !!فضلا عن نقص الوسائل والإمكانات.

          وبنظرة سريعة في النصوص الشرعية والثقافة الإسلامية نجد ان التعليم هو جوهر الإسلام، وان “المعلم” هو تاج المجتمع بمكانته العظيمة والعميقة، فهو روح تسري في المجتمع، يأخذ بأيدي التلاميذ لبرّ الأمان، ويحثهم على الخير ويجنبهم الشر، قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: (إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت في جوف البحر ليصلون علي معلم الناس الخير) صحيح الجامع/ الألباني، فهو  يعلم الناس و يدربهم ويربيهم، خاصة اذا صاحب ذلك تعاون الاولياء مع “المعلم”  بما يصب في مصلحة الجميع، ووفرت المدرسة البيئة و الأجواء اللازمة لذلك.

           ولعل دور الحكومات ورجال السياسة هو المُعَوَّل عليه في ترقية التعليم والنهوض به ابتداء بالعناية بالمعلم ماديا ومعنويا، وبالتالي النهوض بالدولة، والدخول في الشهود الحضاري حقيقة بما نملكه ونتميز به من قيم ومبادئ اسلامية، وبالتالي اللَّحاق بالأمم التي تعيش النهضة والقوة الاقتصادية والتطور الإداري.

  وبالرجوع الى الرصيد الديني والثقافي للامة الإسلامية نجد ما هو أعظم وأجل من توصية اليونسكو / منظمة العمل الدولية بشأن وضع المعلمين التي تم التوقيع عليها في عام 1994، على أهمية هذه الاتفاقية اجمالا. قال تعالى:

  • (لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ) سورة آل عمران 164.
  • §        (… قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) سورة الزمر 9،
  • وقال صلى الله عليه وسلم متحدثا عن نفسه:(إِن الله لم يبعثني مُعْنِتا ولا مُتَعَنِّتا ولكن بعثني مُعَلِّما مُيَسِّرا) صحيح الترمذي/ الألباني،

              ومن أسباب ضعف توقير “المعلم” في كثير او جلّ الدول العربية والإسلامية يرجع الى تقصير العائلة في غرس مكانة “المعلم” في أولادهم، بل لعلهم يشاركون في تحطيمها من خلال الرسائل السلبية امام الأبناء او التنكيت بالمعلم، وكل هذا يساهم بشكل مباشر في هدم قيّم العلم والتعليم، وزعزعة مكانة واحترام “المعلم” في نفوس أطفالنا؟

       فضلا عن ترتيب الحكومات “المعلم” في الوظائف غير المنتجة والتي ليس لها مردودا اقتصاديا، كموظفي شركات البترول او البنوك او الطيران ونحوها !! وكأن عمال هذه القطاعات درسوا وتعلموا مباشرة مع السيد الخضر عليه السلام؟

         الى جانب التشهير السلبي والتعميم الخطير المتعمد غالبا من وسائل الاعلام لأحداث معزولة تقع هنا او هناك.

          وللوصول الى حقيقة رسالة “المعلم” ومكانته ودوره، يقتضي اعتماد “معيار الأهميَّة والقيمة” مما هو في مرجع الامة الإسلامية، للوقوف على قيمة المعلِّم وعلوِّ منزلته، وبالتأمل في الكتاب والسُّنة نجد ان الله تعالى قد وصف نفسه بالعلم وجعلها اهمّ صفة:(أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ) سورة التوبة 78؛ (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ) سورة سبأ 48،

        بل ومدح وأثنى على نفسه بان هو الذي يعلم سبحانه:(…وَاتَّقُواْ اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شيء عَلِيمٌ) البقرة 282، (وَآتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء) البقرة 251؛

        والتعليم هي وظيفة ومهمة نبينا محمد بن عبد الله وكافة الأنبياء والرسل عليهم السلام:(كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ) البقرة 151.

       وبهذا تتجلى مكانة وقيم العلم والعلماء، ومنزلة المعلمين، فعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(إن الله لم يبعثني معنِّتاً ولا متعنتاً، ولكن بعثني معلماً مُيسراً) رواه مسلم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى