مقالات
أخر الأخبار

  بالمناسبة: اليوم الدولي للتسامح ( 16 تشرين الثاني/نوفمبر) رؤية اسلامية

  بالمناسبة: اليوم الدولي للتسامح ( 16 تشرين الثاني/نوفمبر) رؤية اسلامية

            من الحقائق التاريخية في واقع الناس ان الإسلام هو دين التّسامح والعدل والإنصاف، وهذا من روح ومنطوق قوله تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدّين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين)، فالآية صريحة ان مراد الله تعالى هو الأمر بالقسط مع غير المسلمين غير المحاربين، وهو دين التسامح الذي يجمع الناس ويقربهم من بعض، بمختلف المعاملات المشروعة، وليس دين الفساد والافساد كما يحلو لبعض الناس فعل ذلك تحت مسمى الإسلام، خلافا للحقيقة الظاهرة كما جاء في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:( مَن حُرِمَ الرِّفْقَ، حُرِمَ الخَيْرَ، أوْ مَن يُحْرَمِ الرِّفْقَ، يُحْرَمِ الخَيْرَ.)صحيح مسلم، وقوله:(إنَّ الرِّفْقَ لا يَكونُ في شيءٍ إلَّا زانَهُ، ولا يُنْزَعُ مِن شيءٍ إلَّا شانَهُ) صحيح مسلم.

          ويُراد بالتسامح الرّفق بالمعاملة ومقابلة السّيئة بالحسنة؛ لِتحقيق التّواصل مع الآخرين ودعوتهم للإسلام والاستفادة منهم دون التّساهل أو التنازل عن الثّوابت والقطعيات من الدّين، فهو “يعني الاحترام والقبول والتقدير للتنوع الثري لثقافات عالمنا ولأشكال التعبير وللصفات الإنسانية لدينا”.

        ان جوهر الاخلاق والقيم الإسلامية تدعو إلى الصفح، والعفو، والمعاملة الحسنة، وحفظ حقوق الغير، قال تعالى:(ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم)؛ وقد أمرنا رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم بالأخلاق كالرفق، وهذا ليس فقط مع الإنسان، بل حتى مع الحيوان في قوله:(إن الله كتب الإحسان على كل شيء ،،، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته).

        و التسامح بين الناس يكون اساسا مع أصحاب الرسالات السماوية، باعتبارها أديان سماوية ربّانية المصدر، قال تعالى:(شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ)،و هذا يدعونا الى الإيمان بجميع الأنبياء لِاتّحادهم في الرّسالة، قال تعالى: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّـهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَ عِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)،و بالتالي التعامل و التحاور دون إجبار وإكراه، فالأصل في التواصل مع الناس وفق قيم التسامح هو اعتماد الاقناع، قال تعالى:(لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)، وقوله:(أَفَأَنتَ تُكرِهُ النّاسَ حَتّى يَكونوا مُؤمِنينَ).

         ولعل أكبر مُسهِّل لذلك هو البرّ والصلّة، فكل هذا لا يتعارض مع الاختلاف في الأديان، قال تعالى:(الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ)، وقوله:(وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، ويتحقق مقصد التسامح بالدّعوة إلى الحوار مع الآخر والتّواصل معهم وفق اخلاقيات التعارف الواردة في القرآن الكريم، قال تعالى:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّـهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).

      وجامع كل ذلك التّحلّي بالأخلاق الإسلامية في شؤون الحياة، قال تعالى:(ادعُ إِلى سَبيلِ رَبِّكَ بِالحِكمَةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجادِلهُم بِالَّتي هِيَ أَحسَنُ)، لأنه لا يمكن تحقيق التّسامح الدينيّ والفكري، إذا لم تكن معاملات يومية بأخلاق حسنة.

        ومن اقوى معاني التسامح القوة، وليس الضعف او العجز، فالتسامح هو منهج الأقوياء ثم هو خُلق الكبار، والأوفياء، وأصحاب الهمم، قال تعالى:(لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين).

       فكان لابد من بيان هذه الحقائق الجلية في الإسلام من قيم واخلاقيات التسامح، التي حث عليها النبي صلى الله عليه وسلم، وطبقها في حياته مع أصحابه، والتي يقابلها ونبذ الكراهية والتفرقة وترويع الناس والتسبب في إضاعة حقوقهم، فكل ذلك مخالف لسماحة الإسلام وأصوله ومقاصده، وبهذا المفهوم نحتفي باليوم الدولي للتسامح بكل ثقة واعتزاز.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى