مقالات
أخر الأخبار

الإسلام دين الرفق والتسامح

الإسلام دين الرفق والتسامح

بقلم: د: محمد زين الدين عبد المؤمن

الرفق والتسامح متلازمان، بل يمكن إطلاق أحدهما على الآخر. فالرفق من رفق به، أي لان له جانبه وحسن صنيعه. والتسامح من سمح، أي لان وسهل. وتَسامَحَ، أي تساهل (المعجم الوسيط). ومن هذا ندرك أنه لا يرفق إلا من فيه تسامُح، وإنما يتسامح الرفيق. والتسامح يعني الاعتراف بالآخر والاحترام المتبادل والاعتراف بالحقوق والحريات الأساسية للآخرين. وبذلك ينتج عن التسامح حُسن المعاشرة، ولطف المعاملة، ورعاية الجوار، وسعة المشاعر الإنسانية والبر والرحمة والإحسان، من الأمور التي تحتاج إليها الحياة اليومية. الإسلام هو دين الرفق والتسامح والعدل والإنصاف، قال تعالى: ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الممتحنة:8)، فأمر الله عز وجل بالقسط مع غير المسلمين المسالمين، ومن هنا يظهر لنا تسامح الإسلام، وأنه دين يجمع الناس، وليس دين التخريب والفساد.

الرفق والتسامح في القرآن

لقد حث الله المؤمنين على التسامح والعفو في مواضع كثيرة من القرآن، منها على سبيل المثال لا الحصر. قال الله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ۖ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة:109). قال الإمام القرطبي: “العفو ترك المؤاخذة بالذنب. والصفح إزالة أثره من النفس”. فانظر كيف جمع الله الاثنين هنا في حق الكفار بعدما بيَّن أنهم يضمرون حسدًا للمسلمين. وقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران:133-134). قال ابن كثير: “إذا ثار بهم الغيظ كتموه فلم يعملوه، وعفوا مع ذلك عمن أساء إليهم”. وواضح من الآيتين أن كاظم الغيظ الذي يعفو عن المسيء، فإنه من المتقين الذين تأهلوا لجنة عرضها السموات والأرض. وقال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النور:22). قال الإمام السعدي: “في هذه الآية الحث على العفو والصفح ولو جرى عليه ما جرى من أهل الجرائم”. لذلك جعل الله جزاء ذلك التأهل لمغفرته تعالى ورحمته.

الرفق والتسامح في السنة

وتزخر السنة النبوية بنصوص تحث على التخلق بخلق الرفق والتسامح. وردت بلفظ السماحة أو مشتقاتها كالعفو والمغفرة والصفح والإحسان وغيرها من الألفاظ التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمعنى التسامح. بل ثمة حديث حصر الإسلام كله في السماحة. فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنِّي بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ” (الطبراني). وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أنَّ رسول الله قال: “رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى” (البخاري). فالتسامح في البيع والشراء والتقاضي من أسباب الرحمة، بل التسامح في كل شيء مجلبة للرحمة. وأخرج الإمام مسلم من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: ” مَن يُحرَم الرفق يُحرَم الخير كله”. يلاحظ في هذا الحديث أن النبي قصر الخير كله في الرفق. وعن عائشة رضي الله عنها: أَن النبيَّ قَالَ: ” إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفقَ، وَيُعْطِي على الرِّفق ما لا يُعطي عَلى العُنفِ، وَما لا يُعْطِي عَلى مَا سِوَاهُ” رواه مسلم. حسب ما ورد عن النبي في هذا الحديث، لا يقارن الثواب الذي يكسبه العبد بالرفق بثواب أي عمل آخر.

النبي قدوة في الرفق والتسامح

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم الناس خُلقاً وحلماً وتسامحاً مع كل الناس، فكان حلمه يسبق تصرفه، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلماً. كان يسامح أصحابه الكرام على زلاتهم ليزدادوا حباً له، وكيف لا يكون وهو الجامع لمكارم الأخلاق وهو من قال فيه ربنا جلَّ في علاه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: 4). وتتجلى هذه السماحة كذلك في معاملة الرسول، صلى الله عليه وسلم، لأهل الكتاب؛ يهودًا كانوا أو نصارى، فقد كان يزورهم ويكرمهم، ويحسن إليهم، ويعود مرضاهم، ويأخذ منهم ويعطيهم. ذكر ابن إسحاق في السيرة: أن وفد نجران – وهم من النصارى – لما قدموا على الرسول، صلى الله عليه وسلم، في المدينة، دخلوا عليه مسجده بعد العصر، فكانت صلاتهم، فقاموا يصلون في مسجده، فأراد الناس منعهم، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: دعوهم، فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم. وروى البخاري عن أنس: أن النبي عاد يهوديًّا، وعرض عليه الإسلام فأسلم، فخرج وهو يقول: “الحمد لله الذي أنقذه بي من النار”.

الحاجة إلى الرفق والتسامح

إن التسامح خلق الكبار، وعادة الأوفياء، ومنهج أصحاب الهمم، علينا أن نترجمه إلى واقع حياتنا اليومية، وأن نفهم مقصده الديني، وهو التآلف والتماسك وأن نكون كالبنيان المرصوص، الذي يزيدنا قوة واستقراراً سواء كان من جانب نفسي أو اجتماعي.

هذا المبدأ الإسلامي الإنساني هو الحصن الحصين الذي سيقينا ذوي الأطماع الذين يبحثون عن الخراب والدمار ويعيثون في الأرض الفساد، فالمجتمع المتسامح يقبل الآخر، ويتكاتف معه للبناء والعطاء، ويؤمن بأن الله عز وجل إنما أمر الناس بأن يتعارفوا لا أن يتخالفوا، كما قال عز وجل: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَٰكُم مِّن ذَكَرٍۢ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْ ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات:13).

ولذلك كان التسامح منهج الأقوياء، وليس دأب الضعفاء، فهم أقوياء بالصفح والغفران ولا تضيق صدورهم بتقبل المخالف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى