مقالات
أخر الأخبار

القيم الاسلامية التي جاء بها النبي ﷺ

القيم الاسلامية التي جاء بها النبي

الأستاذ الدكتور الجيلالي شقرون باحث في الشؤون الإسلامية

إن حياة أي أمة في كل شأن من شؤونها وفي كل جانب من جوانب نشاطها يقوم على الأسس الفكرية والسلوكية والعملية المرتكزة على القيم الخيرة والفاضلة، والعقيدة الحقة، وعند تداخل قيمنا الإسلامية المنبثقة من نهج الله القويم مع القيم الغربية الصادرة من فلسفات محدودة ناقصة، أو أفكار معقدة شوهاء، سنصل إلى الضياع ورحلة الشقاء مرة أخرى، ولن نحقق ما نقصد إليه من نهضة وتقدم وانطلاق.

مفهوم القيم:

القيم في اللغة: جمع قيمة، وعرّفها ابن منظور بأنّها ثمن الشيء بالتقويم، وأُطلق على ثمن الشيء قيمة؛ لأنّه يقوم مقام الشيء، إذ تقول العرب: كم قامت ناقتك؛ أي كم بلغت.

التعريف اللغوي: جاء في اللسان: ” واحدة القيم وأصله الواو، لأنه يقوم مقام الشيء”. والقيمة: ثمن الشيء بالتقويم، تقول: تقا وموه فيما بينهم وإذا انقاد الشيء واستمرت طريقته فقد استقام لوجه” ابن منظور، د. ت، ج 5 ،3783.

التعريف الإصطلاحي للقيم: “هي المبادئ والمعتقدات الأساسية والمثل والمقاييس أو أنماط الحياة التي تعمل مرشدا عاما للسلوك. وهي المبادئ الأساسية والمعايير المرشدة لسلوك الفرد، والتي تساعده على تقويم معتقداته وأفعاله وصولا إلى المثل العليا والسمو الخلقي للذات والمجتمع.

وتشترك الإنسانية في ترسيخها والعمل بها للحفاظ على التماسك والترابط الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي والفكري والفني، كالحرية والتسامح والمحبة والإيثار  والتضامن… وقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم بمكارم الأخلاق وقال عليه الصلاة والسلام:” إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق” وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ لَا يَنْفَكُّ يَدْعُو رَبَّهُ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ لما جاء عن عَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: قال رسول الله ﷺ: ((اللَّهُمَّ اهْدِنِي لأَحْسَنِ الأَخْلاقِ، فَإِنَّهُ لا يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إلَّا أَنْتَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ .

مميزات القيم الاسلامية:

وتؤدي القيم دوراً مهما في حياة الفرد والمجتمع ويبدو ذلك في انتقاء الأفراد الصالحين لبعض المهن، مثل رجال السياسة والدين وهي موجهة وضابطة للسلوك الإنساني،

وتتميز القيم الاسلامية بأنها منهج شامل ومتكامل له أسس للوصول بالمجتمعات إلى بر الأمان، حيث يهدف إلى تحقيق الرفاهية الاجتماعية والتنمية الاقتصادية وتطوير الثقافات وانتشارها على أوسع نطاق. والمتصفح لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم يستنتج أنه عمل على تفعيل القيم على أرض الواقع في نشر رسالة الإسلام التي أوكلها الله له. لذلك كان متسامحا ومحبا ومتضامنا مع الآخر  من غير المسلمين وكان رحيما وبسيطا في حياته ومتواضعا ورؤوفا رحيما لأن الله تعالى أمره بكل ذلك كما ورد في القرآن الكريم.

ومن أراد أن يعرف أو يتعرف على محمد صلى الله عليه وسلم فليقرأ سيرته العطرة – يقول المثل من جهل شيئا عاداه وكرهه- فقد كان الرسول عليه الصلاة والسلام محترما للمواثيق والعهود، والله أكرم نبيه ورسوله صلى الله عليه وسلم بأرفع وأنبل الخلق ما يجعله محببا إلى الناس كافة إلا من عاداه، الأمر الذي يجعلهم يألفونه ويستأنسون به. وكان صلى الله عليه وسلم وسطا في كل شيء وفي كل أموره لا يتكلف ولا يشق على أحد، وذلك لطبيعة هذه الرسالة التي كلفه الله بها وشرفه. 

أنواع القيم: وهي كثيرة ومتنوعة ورائعة تتناسب والفطرة التي فطر الله الناس عليها، ومنها – دون تفضيل – :

-الرحمة:  قال تعالى : (بالمؤمنين رؤوف رحيم) 128، التوبة،  فقد كان الرسول ﷺ رحيما بأمته، وقد تجلت هذه الرحمة في مظاهر كثيرة، بل وكان أرحم الناس بالناس وأرأفهم بهم وليس فقط بمن يدينون بدين الإسلام ، بل إن رحمته ﷺ تعدت ذلك إلى الحيوان والنبات والجماد.

-الحق: وقول الحق والجهر به دون خوف وهوادة من الصفات القيمية التي يتحلى بها كل مؤمن ومؤمنة، قال تعالى: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ…) 29، الكهف.

 – العدل: أقام الرسول ﷺ العدل، وكان أعدل الناس حتى مع أقرب الناس إليه كابنته فاطمة رضي الله عنها، إلى درجة أنه طلب من الآخرين أن يقتصوا منه. قال تعالى: ( فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا  إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) 9، الحجرات.

– الصبر: كان ﷺ صابرا صبورا محتسبا لله، لأن الله أمره في قوله: (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ…)127، النحل.

الحلم: أن يملك الإنسان نفسه عند الغضب، فإذا حصل غضبٌ وهو قادر على العقاب، فإنَّه يَحْلم ولا يعاقب. قال تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ)134، آل عمران. وورد في السنة عن عبد الله بن عباس – قال: “قال رسول الله ﷺ لأشج عبد القيس: إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم، والأناة” رواه مسلم

الرِّفق: فهو معاملة النَّاس بالرِّفق والهون حتى وإن استحقُّوا ما يستحقُّون مِن العقوبة والنَّكال، فإنَّه يرفُق بهم.

العفو: العفو اصطلاحًا: هو التجاوز عن الذنب وترك العقاب، والعفو هو التجافي عن الذنب.

– الجود: الجَوَاد: هو الذي يعطي بلا مسألة؛ صيانة للآخذ مِن ذلِّ السُّؤال  (2) . ويُفَسَّر الجُود أيضًا بالسَّخاء. وكان رسول الله ﷺ سخيا لا يتردد عن الإنفاق، فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: “كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم أجودَ الناسِ بالخيرِ ، وكان أجودَ ما يكون في شهرِ رمضانَ حتى ينسلِخَ ، فيأتيه جبريلُ فيعرضُ عليه القرآنَ ، فإذا لقِيَه جبريلُ كان رسولُ اللهِ أجودَ بالخيرِ من الرِّيحِ الْمُرسَلَةِ” رواه البخاري ومسلم.

-الصدق في الحديث: قالت قريش لم نجرب عليه كذبا وهو الصادق الأمين ﷺ. قال تعـــــــــــــــــالى:( قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) 119،المائدة. وقوله تعالى: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)33، الزمر. وورد عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أربع إذا كنَّ فيك فلا عليك ما فاتك في الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة في طعمة” رواه أحمد.

-الشجاعة : لشجاعة خُلُق كريم ووصْف نبيل، يَحمل النفس على التحلِّي بالفضائل، ويَحرسها من الاتِّصاف بالرذائل، وهي ينبوع الأخلاق الكريمة والخِصال الحميدة، وهي من أعزِّ أخلاق الإسلام، وأَفخر أخلاق العرب، وهي الإقدام على المكاره، وثَبات الجأش على المخاوف. وكان ﷺ أشجع الناس في حضرة المواقف الصعبة. فقال ﷺ :” المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير”، صحيح مسلم،

-التواضع: كان الرسول ﷺ أبعد الناس عن الكبر، يحب المساكين ويجالسهم، ويشهد جنائزهم، ولا يحقر فقيرا لفقره‏  ويجلس عندما ينتهي به المجلس في أصحابه كأحدهم. وفي هذا قال الله سبحانه: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) 159، آل عمران. وعن أبيس هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: “ما نقصت صدقة مِن مال، وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلَّا عزًّا، وما تواضع أحد لله إلَّا رفعه الله” رواه مسلم.

 -التعايش والسلم: السلم والمسالمة مع غير المسلمين خارج دار الإسلام وكف الأذى عنهم  وعدم الاعتداء أو العدوان إلا عند مواجهة الاعتداء وصد العدوان. وكان الرسول ﷺ  محبا للسلم ووقافا عند العهود والمواثيق. قال تعالى: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) 8، الأنفال. وقوله تعالى:(إن اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) 90، النحل.

الإخلاص: هو تصفية العمل من كل شوب  لقوله تعالى: (إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله) 146،النساء.

لهذه القيم كلها أحب النبي ﷺ كل من رآه وجلس معه من أصحابه رضوان الله عليهم ومن المشركين واليهود إلى يومنا هذا. و ينبغي التأكيد على أن نشر الرسالة المحمدية للعالم لن تتم بمفهومها الصحيح والشامل إلا عبر تجسيد قيمه الأخلاقية كسلوك وممارسة عملية في الواقع المعاش ليفهم الآخر أن رسالة الإسلام قائمة على هذه القيم التي شرعها الله والتي تتوافق مع كل عصر ومصر. أَخْبَرَ سَعْدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، فَقَالَ: “قُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْبِئِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: بَلَى.قَالَتْ: فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ الْقُرْآنُ”. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.  وقَالَ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) 9، الإسراء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى