الحصان في التراث الإسلامي
بقلم الأستاذ - إسماعيل دباح
مما ورثناه في ثقافتنا الشعبية أن "الخيول هِبة الله للبشر"، وقد عرفت الإنسانية صداقة وتربية الحصان منذ مئات القرون، في مختلف الحضارات عند العرب، والسومريين، والبابليين، والمصريين القدماء، والفُرس، فقد استعمله الإنسان في مجالات كثيرة في حياته اليومية كالنقل، السقي، الفلاحة، الصيد، اللّعب، الترفيه وفي الحروب، وهي من الحيوانات المحبوبة جدا ذات رمزية متعدد، التي حظيت برعاية وأدوار خاصة في عصرنا هذا حتى في عالم محيط الرقمنة والذكاء الاصطناعي، واُشتهرت تربية الحصان والعناية به في التراث العربي بشكل متميز، والحصان العربي الأصيل هي من أعرق السلالات في العالم وأغلاها ثمناً.
وأكثر الكثير من الباحثين يعتبرون الموطن الأصلي للحصان العربي هو شبه الجزيرة العربية ومحيطها القريب، ثم انتشر في باقي مناطق العالم، وخاصة بين مشاهير مثل بعض الحكّـــــــام والرّموز السياسية أمثال: الإسكندر الأكبر (356 قبل الميلاد- اليونان)؛ وجنكيز خان (1162 ميلادية _ منغوليا)؛ وجورج واشنطن (1732 ميلادية- أمريكا)، ونابليون بونابرت (1769 ميلادية -فرنسا).
وتتميز الخيول العربية بالأُنس والرّشاقة والحيوية، لها قدرة كبيرة على التّحمل، متفوِّقة في كثير من ألعاب الفروسية؛ وفي الثقافة والتاريخ الإسلامي أخذ الحصان مكانة متميزة.
وحتى في النصوص الشرعية، فقد اتخذ الرسول صلى الله عليه وسلم الخيول، وكانت مرافقة له ولأصحابه في سبيل الله، وقد ورد في القرآن الكريم والسّنة النبوية ذكر “الخيل"، مما جاء في القرآن الكريم:
• ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ سورة آل عمران، آية:14
• ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا، فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا، فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا، فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا، فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ سورة العاديات، آية:1-5، وكلمة والعاديات: هي الخيل التي تعدو في سبيل اللّه وتضبح وهو صوت أنفاسها، والموريات: هي الخيل تهيج للحرب.
• ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رّبَاطِ الْخَيْلِ ...﴾ سورة الأنفال، آية:60
• ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ، إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ، فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ،،،﴾، والصافنات: جمع صافن، وهو الفرس الذي يرفع رجليه ويقف على طرف الأخرى، والجياد: السريعة الجري.
بل زادت مكانة الخيل الاجتماعية في العصر الإسلامي، حيث أصبحت رمز الخير والبركة: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ﴿الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، (رواه البخاري)؛ قال ابن حجر رحمه الله: «في هذا الحديث بيان أن الخيل إنما تكون في نواصيها الخير والبركة إذا كان اتخاذها في الطاعة أو في الأمور المباحة، وروى الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ﴿إِنَّ الْمُنْفِقَ عَلَى الْخَيْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، كَالْبَاسِطِ يَدَيْهِ بِالصَّدَقَةِ لَا يَقْبِضُهَا﴾، وروى مالك في الموطأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رئي وهو يمسح فرسه بردائه، فسُئل عن ذلك فقال: ﴿إنِّي عُوتِبْتُ اللَّيْلَةَ فِي الْخَيْلِ﴾، حسن لغيره، وحسنه الشيخ الألباني.
وكان للنبي صلى الله عليه وسلم مجموعة من الأفراس، كانت أسماها هي: السّكْبُ، وَاللّزَازُ، وَالْمُرْتَجِزُ، وَاللّحِيفُ، والضّرِسُ، وَمُلَاوِحٌ، وَالْوَرَدُ.
وتاريخياً كان للفتوحات الإسلامية الدور الكبير في تجديد انتشار الخيول العربية الأصيلة والتعريف بها في العالم، ووجدت عناية كبير من مختلف الشعوب لمزاياها من حيث السرعة والجمال والرشاقة والتناسق، وحتى في الكتابة والشِّعر والأمثال كان للحصان حضورا متميزا:
يقول المتنبي:
أَعَزُّ مَكَانٍ فِي الدُّنَا سَرْجُ سَابِحٍ *** وَخَيْرُ جَلِيسٍ فِي الزَّمَانِ كِتَابُ
ويقول الشاعر:
أَحِبُّوا الخَيْلَ وَاصْطَبِرُوا عَلَيْهَا = = فَإِنَّ العِزَّ فِيهَا والجَمَالَا
نُقَاسِمُهَا المَعِيشَةَ كُلَّ يَوْمٍ = = وَنَكْسُوهَا البَرَاقِعَ وَالجِلَالَا
ومن الأمثال:
"الخيل أعرف بفرسانها" أي أن الخيل تعرف الفارس الحقيقي إذا ركبها الناس.
واعترافا بهذه الرفقة التي لا تخبو، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 79/291 بتاريخ 3 حزيران/ يونيو 2025، معلنة يوم 11 تموز/يوليه/جويلية «اليوم العالمي للحصان»، ويدعو القرار الحكومات والمدارس والقطاع الخاص والأفراد إلى الاحتفاء بدور الحصان، والتصدي لما يواجهه من تحديات في عالم اليوم، بل هو مناسبة للدعوة لحماية إحدى أقدم شراكات الإنسان، تلك التي لا تزال تُعيننا في الغذاء، وتسند إقتصاداتنا، وتنهض بمعنوياتنا.
وحسب وثائق الأمم المتحدة فإن منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، تُقدّر عدد الخيول في العالم لعام 2023 بحوالي 60.8 مليون حصان.
وقدّرت دراسة مشتركة بين منظمة الصحة الحيوانية العالمية ومنظمة الفاو أنّ نحو 112 مليون دابة عاملة تساند سبل عيش قرابة 600 مليون إنسان في مختلف المجالات، ففي الاتحاد الأوروبي تساهم الخيول في الاقتصاديات الكبرى بدعم نحو 7 ملايين حصان قطاعًا تبلغ قيمته 100 مليار يورو (ما يعادل 115.27 مليار دولار أمريكي) ويوفّر 800 ألف وظيفة.
التبرع بجزء من أموال الحج للفقراء والمرضى ضرورة في الوقت الحاليالتكافل الاجتماعي من الأمور التي حثت...
مقالات
الأعياد في الإسلام هي مواسم للسعادة والسرور، فعيد الفطر يأتي بعد أداء فريضة الصيام، وعيد الأضحى يأتي...
مقالات
ذكرى الهجرة النّبويّةموعد ارتقاء متجدّد للأمّةالمهندس صالح بكليصاحب المنهاج التّفاعلي للسّيرة النّبو...
مقالات
“لتعارفوا”.. وكورونا نموذجاالدكتور ياسر حسين حسنبسم الله الرّحمن الرّحيمبادئ ذي بدء نبارك للهيئة الأ...
مقالات