الهيئة الأوروبية للمراكز الإسلامية

صفة إستشارية لدى الأمم المتحدة
إطلاق تجريبي
2025-08-01

 

الدكتور مبروك زيد الخير رئيس المجلس الإسلامي الأعلى بالجزائر في حوار مع مجلة " لتعارفوا"

 

ضرورة تحويل التعارف من مفهوم نظري إلى آليات تسهم في بناء الجسور بين الشعوب 

 

مؤتمر المجلس قدم معالجة فكرية ودراسة علمية للدفاع عن حقوق المسلمين

 

الداعية الحصيف يستعمل الخطاب الديني للبناء والإصلاح وجمع الكلمة وتوحيد الأمة

تعاون مع الهيئة الأوروبية للمراكز الإسلامية لخدمة الإسلام والدفاع عن قضايا المسلمين 

 

أجري الحوار - الشيخ مهاجري زيان

 

حرصت مجلة "لتعارفوا" على إجراء حوار شامل مع الدكتور مبروك زيد الخير رئيس المجلس الإسلامي الأعلى بالجزائر، وذلك بالتزامن مع مؤتمر المجلس الذي عقد بمشاركة دولية واسعة، وناقش قضايا محورية وقدم معالجات فكرية لمواجهة الإسلاموفوبيا والتحذير من تنامي خطاب الكراهية، والدفاع عن قضايا المسلمين، وضرورة ترسيخ قيم التعارف والتعايش.

 

وفي حواره أكد رئيس المجلس الإسلامي الأعلى، أن  المطلوب هو تحويل التعارف من مجرد مفهوم نظري إلى آليات عملية، تسهم في تجاوز النزاعات، وبناء جسور التعاون بين الشعوب، وأن الداعية الحصيف يستعمل الخطاب الديني للبناء والإصلاح وجمع الكلمة وتوحيد الأمة، مشيرا كذلك للتعاون مع الهيئة الأوروبية للمراكز الإسلامية لخدمة الإسلام والدفاع عن قضايا المسلمين.. وغير ذلك من القضايا.. وإلى نص الحوار.

في البداية، نود من فضيلتكم تسليط الضوء على أبرز المحطات العلمية والمهنية في مسيرتكم، والتي شكلت ملامح تجربتكم الفكرية والدعوية؟

بادئ ذي بدء، أود أن أقدم الشكر الخالص للشيخ مهاجري زيان وهيئته المباركة، والمجلة المتألقة على أن أتاحت لي هذه الفرصة للقاء جمهورها العريض، والذي يمثل شريحة واسعة من الأمة الإسلامية .

آملين للدعوة في سويسرا وأوروبا قاطبة أن تؤتي أكلها بإذن ربها، وأن يكون النفع بها على المدى، لتحقيق غاية البلاغ المحكم الذي لا يأتيه      الباطل من بين يديه ولا من خلفه.                                                 

وأما المحطات التي سألتموني عنها، فهي ابتداء البيئة العلمية التي      ربونا فيها السبعينيات القرن المنصرم والذي أخذنا فيها القدوة، ونمط التربية الراقية عن نماذج في مدينة الأغواط التي تمثل لي بيئة صلاح، ومسقط رأس، ومرتع صبا، وقد كانت آنئذ نموذجا للتماسك ورقي النمط التربوي، وتعاون الناس على الخير تكافلا وتكاتفا وأمرًا بالمعروف ونهيا عن المنكر، وقد ربونا في الكتاتيب والمدارس القرآنية التي كانت تعج بالقرآن ومختلف المتون والكتب اللغوية والفقهية، والتي يضطلع بتدريسها فقهاء أعلام كالشيخ مصطفى الغزالي، والشيخ محمد البصير والشيخ محمد بو صالح، والشيخ أبو بكر الحاج عيسى والشيخ أحمد قصيبة والشيخ الطيب حيرش والشيخ جلول كراشي، وغيرهم من القدوات التي كانت تشع على المجتمع بما ينفع و يرفع، ناهيك عن البعثة الأزهرية التي  أطرت المعهد الإسلامي للتعليم الأصلي الديني والتي تتكون من خيرة علماء الأزهر الشريف، وقد كان لهم نشاط حثيث، وإسهام كثيف، في مختلف مساجد البلدة التي  نشأت فيها، فكان لهم أثر كبير على، إضافة إلى ولع الجيل الذي أنتمي إليه بالمطالعة والقراءة آناء الليل وأطراف النهار، بما ليس له نظير الآن، فقد والآن، فقد قرأنا كتب الرافعي والعقاد وطه حسینی وزكي مبارك وأحمد الشرباصي ومحمود شلتوت ومحمد البشير الإبراهيمي.

ناهيك عنا عن الكتب القرعة كأدب الكاتب لا بن قتيبة الدينوري، والأمالي لابي علي القالي، والبيان والتبيني للجاحظ، ونفح الطيب من غصن الأدب الرطيب للمقري، وسلسلة أحمد أمين وروايات تاريخ الإسلامية لجرجي زيدان، وتاريخ الأدب العربي لأحمد حسن الزيات ولعمر فروخ، و تاريخ الشعوب الإسلامية لكارل برو كلمان، وحاضر العالم الإسلامي لشكيب أرسلان، إضافة إلى دواوين الجاهليين، وشعراء صدر الإسلام کحسان بن ثابت وابن رواحة وشعراء العصر الأموي كالفرزدق وجرير والأخطل والكميت وذي الرمة وشعراء الغزل الـ الغزل العفيف، ثم أشهر شعراء العصور اللاحقة كبشار بن برد وأبي تمام والبحتري والمتنبي وشعراء عصر الضعف وعصر النهضة، بالموازاة مع قراءة كتب الحديث كالصحيحين والترمذي ومسند أحمد وموطأ مالك، وقد كانت البدايات مع متن ابن عاشر في الفقه المالكي، والرحبية في المواريث ورسالة ابن أبي زيد القيرواني، وشرح ميارة على ابن عاشر، ومدونة سحنون، والخلاصة الفقهية للقروي، وقد كانت المجالس بوجود الفقهاء عامرة بالنقاش العلمي الرصين، وكانت الأوقات عامرة بالتحصيل، وشاء الله لي أن ألتحق بالتعليم فدرست سنين طويلة في التعليم العام، وتقلدت إدارة الشؤون الدينية بمحافظة الأغواط، ثم مديرا للمركز الثقافي الإسلامي، ثم التحقت بالجامعة بعد الحصول على الماجستير في (الوقف القرآني وأثره في الإعراب)، ثم الدكتوراه في موضوع (ظاهرة الإسناد وأثرها في البلاغة والإعراب) وكلاهما في الدراسات اللغوية القرآنية، وأضطلعت بعدها بالتدريس في كلية اللغة العربية، ثم تقلدت منصب رئيس القسم العلوم الإسلامية بجامعة الأغواط، ثم مدير مركز البحث في العلوم الإسلامية والحضارة بالأغواط، وعينت عام 2016 عضوا في المجلس الإسلامي الأعلى بالجزائر، ثم رئيسا لهذا المجلس العامر، ولا زلت عضوا أيضا بلجنة الفتوى التابعة لوزارة الشؤون الدينية والأوقاف بالجزائر، آملا تحقيق ما ينفع البلاد والعباد، ويشفع لنا عند الله في المعاد

.

ناقش المؤتمر الأخير للمجلس الإسلامي الأعلى قضية محورية تمس واقع المسلمين اليوم، فما أبرز توصيات هذا المؤتمر؟ وكيف يمكن العمل على تفعيلها ميدانيا ؟

لقد كان التحضير للمؤتمر الدولي الذي احتضنه المجلس الإسلامي الأعلى تاريخ 21 و 22 و 23 جوان 2025 م بالجزائر، في غاية الدقة والجدية، وقد حمل عنوان "التعارف الإنساني وأثره في إرساء العلاقات وتحقيق التعايش" وقد عولج الموضوع باعتبار أن التعارف يعمل على تأسيس نهج حضاري، ويعزز المشترك الإنساني، ويجمع الجهود المتفرقة، باعتبار أن المطلوب هو تحويل التعارف من مجرد مفهوم نظري إلى آليات عملية، تسهم في تجاوز النزاعات، وبناء جسور التعاون بين الشعوب في مختلف القارات، وكانت الإشكالية متمركزة على التساؤل حول طرح تعارف الحضارات بديلا عن صدام الحضارات؟ وهل للتكنولوجيا المعاصرة دور في تجسيد التعارف وتمتينه؟ وهل يمكن أن نؤنسن المجتمع العالمي في زمن القرية الكونية، والعولمة الطاغية؟.

وقد تركز المؤتمر على محاور دقيقة خلاصتها ما يلي :                       

1-   تأصيل مفهوم التعارف بين الشعوب والحضارات.                           

2-  الأسس النظرية والعملية والأخلاقية للتعارف .                         

3-  التعارف الإنساني في ضوء التجربة التاريخية الإسلامية. 

4-  مستقبل الشعوب والحضارات العالمية (التعارف أم التصادم )؟       

وقد انبرى لهذا الطرح ومعالجة المحاور في محاضرات منهجية علمية،   ثلة من الباحثين المتخصصين من مصر والجزائر وروسيا وإيطاليا،   فرنسا والسعودية وموريتانيا وسويسرا وتشاد ونيجيريا ولبنان ... وكان النقاش مثمرا، والحوار في قمة العطاء الفكري والتوعوي.

أما التوصيات فقد تركزت على النقاط التالية :

1- دعوة مراكز البحوث والكفاءات العلمية والفكرية إلى تعميق مفهوم التعارف الإنساني والحضاري ضمن التنوع الثقافي لتعميق البحث في ذلك

2-  الدعوة إلى التأصيل القرآني المعوم التعارف الإنساني.

3-  دعوة مختلف الهيئات والمنظمات الإقليمية والدولية إلى ترسيخ ثقافة التعارف الإنساني، ونشر ثقافة السلم والحوار .

4- الدعوة إلى احترام التنوع، ومراعاة الاختلاف، على أنه ثراء إنساني وقيمة حضارية مضافة.

5      - الدعوة إلى نبذ الاستعلاء والعنصرية، وخطاب الكراهية وإقصاء الآخر دون مدعاة لذلك.

6- تثمين جهود الدولة الجزائرية في ترسيخ مبدأ التعارف وتأصيله.

7 - دعوة الشعوب على مستوى العالم لانتهاج أمثل للحوار الإنساني وانتحاء منى من التسامح والرفق والتعاون الإيجابي.

8 - توظيف مؤسسات المجتمع المدني والتنشئة الاجتماعية لغرس مبادئ التعارف ، والالتزام بها ما أمكن.

9-  الدعوة إلى استثمار التكنولوجيا ووسائل التواصل في دن التواصل في دعم التعارف الإنساني والتقريب بين الشعوب.

10-  اقتراح جائزة تحمل عنوان التعارف الإنساني لدعم هذا المسلك وتشجيع البحوث والدراسات العميقة في هذا المضمار .

ولقد كانت الأطروحات المقدمة مفيدة في بيان أوجه تفعيل هذه التوصيات لتقريبها للجهات الفاعلة في مسار الشعوب، لتحقيق عالم أكثر سلاما وأوفى أمانا، وأقرب إلى التفاهم والتعارف، وفهم الآخر ومراعاة الخصوصيات دون صدام ولا حروب ناسفة، أو معارك طاحنة، تأتي على الأخضر واليابس

.

يظل موضوع التعايش السلمي من القضايا الأساسية المطروحة على أجندة العمل الإسلامي خاصة في أوروبا، ما الدور الذي يقوم به المجلس في هذا المجال؟ وهل هناك آليات تعاون مع المراكز الإسلامية الأوروبية لتعزيز هذا التوجه ؟

منذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ونزول الوحي الأعلى على البشرية، كانت الدعوة إلى المؤاخاة الإنسانية حثيثة، وقد أكد القرآن على التواصل بين الشعوب والأمم، وعبر عنه بالتعارف في قوله تعالى" يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا" الآية (13) سورة الحجرات، فكان التعارف بهذا المفهوم القرآني ركيزة أساسية في بناء المجتمعات، وتوطيد العلائق بين الأمم والشعوب، وتعزيز الحوار العقلاني، والتفاعل الثقافي لتحقيق السلم العالمي والإقليمي وتعايش الأمم على التسامح والتصافح و التصالح، لا على الغزو والغارات كما كان حال المجتمع الجاهلي، ولا ريب أن الحاجة في عصرنا هذا إلى التعايش السلمي قد أصبحت أجدر بالبروز في أفكار الناس وعقائدهم ومعاملاتهم.

والعمل الدعوي في أوروبا جزء من العمل الدعوي الإسلامي، فلا شك أنه سوف يكون بحاجة إلى تكييف واقعه، بما يضمن الحلول الناجعة والأفكار البناءة، والحلول المجدية، لتحقيق السلام العام بين الأمم والقوميات، وبين المذاهب والديانات، وقد عمل المجلس الإسلامي الأعلى بالجزائر منذ تأسيسه على القيام بدوره، وفق المهام المرسومة له في قرار التأسيس، والملخصة في تطوير وترقية التفكير، والاجتهاد في القضايا المستجدة، ومعالجة القضايا الحساسة الراهنة، لإخراج الأمة من فتنة التخبط في المشاكل الناجمة، والنوازل التي تحتاج إلى تبصر وفهم أثير، ووعي كبير، وقد أنيط بالمجلس أن يعمل على تصحيح الإدراكات الخاطئة، والمفاهيم المغلوطة، ونشر الثقافة الإسلامية الصحيحة، والعمل على تقديم الإسلام الصافي الخالي من الشوائب، وذلك بتبادل المعلومات مع المراكز والهيئات والمجالس والمجامع في أرجاء العالم العربي والإسلامي، وفي أرجاء أوروبا وسائر القارات.

وقد عمل المجلس على توطيد علاقته بالمساجد الكبرى والمراكز الإسلامية المعروفة في سويسرا وفرنسا وأسبانيا وكندا وأمريكا بصورة شخصية، وقد زارنا السيد عميد مسجد باريس ونائبه، كما زارنا رئيس الهيئة الأوروبية للمراكز الإسلامية بجنيف بسويسرا، ورئيس مركز لندن في إنجلترا، ولنا تواصل مع مركز إسلامي بمونتريال بكندا وآخر في بوسطن بأمريكا، وعلاقتنا بهذه المراكز عن طريق التواصل بآلية الزوم، ونحن نشارك في الندوات بتقنية التواصل عن بعد في بعض المؤتمرات والندوات، ونتبادل التشاور والتعاون عن بعد، حال توفر الظروف السانحة بذلك، ونعمل على تطوير هذه العلاقات ما وسعنا ذلك بحول الله.

لا شك أن موضوع المؤتمر الأخير يندرج ضمن الجهود الرامية إلى مواجهة خطاب الكراهية، والدفاع عن قضايا المسلمين في الخارج،  من وجهة نظركم، ما أثر مثل هذه المؤتمرات في مواجهة ظاهرة    الإسلاموفوبيا؟                                                                           

لا شك أن ظاهرة الاجتماع البشري متأصلة في الفطرة الإنسانية، مما يقتضيه العمران، وتطلبه مصالح الإنسان، ولذلك فالتعارف مسألة جوهرية لا بد منها، ولعل التدافع الواقع في مسار المجتمعات وقع حتى تطورت الأمم، وتشابكت العلاقات، وتناقضت المصالح والاحتياجات، وتنوعت العقائد والمذاهب، وتكونت الألسن والخصائص، واندلعت بفعل المغالبة صراعات وحروب، وكشرت الحياة عن أنيابها، وصار المجتمع أكثر تعقيدا، وأشد ضراوة، فكان تفعيل مجالات التعارف الضرورة بمكان.

وعليه فقد أصبح انعقاد ملتقى بهذا المستوى في الأولويات، لذلك نظمنا ملتقى عن التعارف الإنساني وأثره في تحقيق التعايش، خاصة وأن ظاهرة العنف القولي والفعلي، والهجوم  على خصوصيات الأفراد، وإنيات الأمم، صار مأنوسا مع وفاء غير مستنكر، وقد تنامت ظاهرة خطاب الكراهية، والانطلاق من خلفيات إيديولوجية، ومن آليات منحرفة للتفسيق والتكفير والتفجير، فما أصطلت البشرية بناره، وأصبح حديث الإعلام وموضوع وسائل التواصل، مما تموج به الدنيا في كل أصقاع الأرض، وخطاب الكراهية منهاج غريب في الثقافة الإسلامية لأن الله تعالى أمر بالإحسان، وحرض المؤمنين على الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وأمر رسوله والمؤمنين بأن يجادلوا المخالفين والكافرين بالتي هي أحسن - على أساس أن الله يمتلك الهداية وحده، وأن الداعية ما هو إلا سبب يتأتى به المطلوب بمشيئة علام الغيوب.

ومع علاج المؤتمر لظاهرة العنف والكراهية، فهو أيضا يرجو إلى معالجة فكرية ودراسة علمية للدفاع عن حقوق المسلمين في الخارج والداخل، ولعل تنامي ظاهرة الهجوم على المساجد، وتصفية المصلين، وترويع الآمنين، وقتل الأبرياء بلا ذنب ارتكبوه ولا إثم اقترفوه، من شأنه أن يزيد المخاوف في النفوس، وأن يؤكد على ضرورة دراسة ظاهرة العنف، وظاهرة الخوف من الإسلام (الإسلاموفوبيا) في بلاد الغرب عموما، وقد عالج المؤتمر كثيرا من أمثلة الواقع العائق لمبدأ التعارف والتآلف، والتصالح والتآلف، بالطرح الفكري، والنقاش العلمي، وتقديم التوصيات الحصيفة، لعلاج الوضع القائم، والعمل على صيانة جيل من الواقع المهول، والنأي عن أسباب الفتن وبواعث الإحن، وجذور المحن، بما يعالج الأوضاع، وتغير الطباع باللطف والأناه، لا بالخصام والافتئات، وذلك ناجع في بابه، مؤد إلى علاج الأنفس والقلوب ومضامين التعامل الفاسدة.

للمجلس الإسلامي الأعلى جهود بارزة في الدفاع عن قضايا الأمة وقد كان ذلك جليا في مواقفه الداعمة للقضية الفلسطينية، خاصة خلال المؤتمر الأخير، كيف تقيمون هذه الجهود ؟ وما الذي تحتاج إليه اليوم لتعزيز حضور هذه القضية في الوعي الإسلامي والدولي؟

صحيح أن المجلس الإسلامي الأعلى يضطلع بمهام جليلة، وأعمال أصيلة، ويقوم أعضاؤه بمبادرات جليلة في ميادين الفتوى وإصلاح ذات البين، و التدخل للصلح بين الناس، في أحلك الأزمات، وأشد الأوضاع صعوبة وحساسية وخطورة، وهو في هذا المضمار يعمل لبناء علاقات متينة مع الهيئات والمؤسسات المماثلة له في العالم أجمع، ومن أجلها يستعمل جميع وسائل الدعوة العصرية لتحقيق التآلف والتعارف بين أبناء الأمة، وبينهم وبين الشعوب المخالفة والمؤالفة، ولعل الخط الذي رسمه لسياسته تجاه القضية الفلسطينية يلتقي مع الموقف الثابت والشجاع للدولة الجزائرية التي ترى بأن القضية الفلسطينية هي قضية الأمة الاسلامية والعربية قاطبة، وأنها قضية محورية ومصيرية، لا يجوز التغافل عنها ولا التغاضي عن أهميتها وقيمتها مناصرة للشعب الفلسطيني الصامد، وسط التحديات الكبرى، والعدو الاستعماري الطاغي، الذي أهلك الحرث والنسل وعاث في الأرض فساداً، وتجاوز كل الحدود، وكسر كل الأعراف، وعمل باستمرار على الإبادة الجماعية للفلسطينيين، وبرمجة ترحيلهم وتهجيرهم، وسط الصمت العالمي المطبق، وقد أكد المؤتمر المنوه به سلفا في رحاب المجلس الإسلامي الأعلى على أهمية الدعم المعنوي والمادي للشعب الفلسطيني المغوار، لتحقيق نصرته ودعمه والوقوف معه لدفع الظلم وتوقيف نزيف القتل والتشريد والتجويع الذي طالما عاني منه سكان غزة والقدس وفلسطين، وإننا مع كوننا نقدم جهد المقل لنصرة القضية، وتحقيق المصير العادل لشعب فلسطين المناضل، فإن المجهود المبذول يؤمل له أن يؤتي أكله، وأن يدعم هذا المسلك النبيل .

وإننا نحتاج إلى دعم الخيرين، وتنامي الشعور الإيماني والعقائدي بعدالة قضية شعب فلسطين، وضرورة أن تتلقى المعونة على الصعيد المادي والمعنوي، لإبلاغ الصوت إلى كل أحرار العالم الذين يعرفون أهمية القضية الفلسطينية، ويعترفون بالمجهود الجبار الذي تبذله الأمة لتحقيق الانتصار، ودفع الأذى العاجل والآجل عن شعب فلسطين المظلوم، وجدير بنا أن نعزز موقفنا ببذل ما نطيق على مستوى الفكر والكلمة والإبداع النثري والشعري، وعقد المؤتمرات والندوات، لإيصال كلمة الحق إلى كل أذن صاغية، وإلى كل قلب واع، وإلى كل ضمير يقظ، وجدير بالقضية الفلسطينية أن تبقى راسية في الوعي الإسلامي والدولي على الدوام.

هل توجد آلية منتظمة، لإيفاد علماء في المجلس إلى الجاليات المسلمة في أوروبا؟ وما مدى التنسيق القائم في هذا المجال مع المؤسسات الإسلامية؟

لا ريب أن إيجاد آلية منتظمة للتفاعل مع الجاليات المسلمة، هو أمر ضروري لا مناص منه، لأن الجالية الجزائرية في الخارج تعد بملايين المهاجرين، وقد نشأت أجيال وأجيال مع مرور السنين، وأصبحت هناك مؤسسات دينية مشتهرة في كل أنحاء أوروبا بل في العالم، وهي تنعم بالدعم المعنوي والمادي من بلدانها، ذلك أن الجالية الجزائرية هي جزء من الجالية المسلمة التي تتكون من مختلف الأقطار والأمصار، في مجمل البلدان العربية والإسلامية، وعليه فإن توطيد العلاقات بها مفيد غاية الفائدة، وقد عملنا على مراسلة بعض المؤسسات رجاء عقد اتفاقيات ثنائية بيننا وبينها، من أجل الدعم  العلمي أو الإشراف على بعض الأنشطة، أو للمشاركة في المؤتمرات الدولية والمحلية، لتحقيق التجانس والتعاون بين هذه المؤسسات وبين المجلس الإسلامي الأعلى، علما بأن بعض الأعضاء يترددون على فرنسا وألمانيا وإسبانيا وتركيا من أجل النشاط مع الجالية المسلمة، وإقامة ملتقيات ومحاضرات وندوات لتحقيق الهدف المناط بهم باعتبارهم أعضاء في المجلس.

برأيكم ما أبرز القضايا التي ينبغي أن يركز عليها الخطاب الديني المعاصر، لمواكبة التحريات الفكرية والمجتمعية التي تواجه المسلمين؟

مشكلة الخطاب الديني من أهم مشكلات العصر، وقد أصبح هذا اللون من الخطاب يمثل إشكالية اختلفت فيه آراء الفلاسفة وعلماء الدين والمصلحون والنخب الثقافية الموجهة في المجتمع الإسلامي المعاصر، ومعلوم أن الخلاف منصب على قضايا تتعلق بكيفية فهم النصوص الدينية وتفسيرها وتطبيقها وعرضها على عموم الناس، وظهر مصطلح تجديد الخطاب الديني، وظاهرة البحث في العلاقة بين الدين والمجتمع، ومشاكل التطرف الديني والغلو في الفهم و العقيدة والممارسة، ناهيك عن علاقة الدين بالحياة وعلاقته بالعلم وعلاقته بالتنمية وغير ذلك .

والمقصود هنا بالخطاب الديني الخطاب الإسلامي الذي يستند إلى مرجعيته من الإسلام الحنيف، وأصوله من الكتاب والسنة وتراث السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وغايته الدعوة إلى الله تعالى ونشر الإسلام عقيدة وشريعة وأخلاقا وممارسة وتعاملات حياتية تطال كل حركة للفرد والمجتمع .

ولا شك أن الداعية الحصيف هو الذي يستعمل الخطاب الديني للبناء لا للتدمير، والإصلاح لا الإفساد، وجمع الكلمة وتوحيد الأمة، لا لتفريقها وبذر الشقاق والخلاف بين أبنائها .

وجدير أن يكون الخطاب الديني داعيا إلى التعارف والتآلف، ومؤكدا على التسامح والتصالح والتصافح، ناظرا إلى عالمية الإسلام بعيدا عن العصبيات الضيقة، والنعرات العنجهية المرهقة، وهو خطاب يشمل كل مناحي الحياة المتصلة بتنظيم العلاقة بين الإنسان وربه، وبينه وبين نفسه، وبينه وبين الآخرين .                                                                   وجدير بالخطاب الديني أن يخاطب العقل والفطرة السليمة، وأن يعتمد الإقناع والتشويق وفهم الآخرين، وحسن التعامل معهم بلا عقد عائقة، ولا مصادمات ماحقة، إنه خطاب يعالج قضايا إصلاح النفس والمجتمع، ويعمل على النهضة بالقيم العليا والأخلاق المثلى، ويعالج القضايا الكبرى في العلم والفكر والنفس والحياة، وهو يعتمد على التأثير الوجداني الصادق، دون تهويل ولا مغالاة في الفهم ولا في العبارة.

ولا شك أنه يجب أن يوجه لعلاج القضايا الحياتية الشائكة وما تعانية الإنسانية آنيا من انحلال في العقيدة بالإلحاد، ومن تفسخ في الأخلاق بترك الدين والأعراف الرشيدة والانزلاق في مهاوي الإباحية المفسدة، وتقليد الغربيين بلا وعي ولا بصيرة، وجدير بالخطاب الديني أن يعمل على توحيد مشاعر الأمة، والارتباط بجسمها ووجودها، والحفاظ على الوطن وحماية مقدساته، والشعور بحال المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، والاهتمام بمصير الأمة، في تحديات العصر المسلطة عليها، وخصوصا في مصير القدس وفلسطين، وفي مشاكل التنمية ومستوى المعيشة، وفي مستوى البحث العلمي والاستقلال الاقتصادي، وحماية القيم، وصيانة الخصوصية، وذلك كله في إطار الفهم الوسطي المتكامل الذي يجعل الخطاب الديني يؤمن بالوحي، ولا يغيب العقل، ويدعو إلى الروحانية ولا يهمل المادية، ويعنى بالعبادات الشعائرية ولا يغفل القيم الأخلاقية، وذلك من أجل توظيف الخطاب الديني لتغيير الأوضاع الفردية والاجتماعية، بتدرج حصيف، وفكر نير مستقيم وحكمة ساطعة ناصعة، وفکر متوازن واع، لمواجهة التحديات التي تضغط على الأمة وتريدها أن تحيد عن غاياتها وثوابتها.

كيف تقيمون جهود الهيئة الأوروبية للمراكز الإسلامية في خدمة قضايا الإسلام والمسلمين في القارة الأوروبية ؟

إن الهيئة الأوروبية للمراكز الإسلامية، هيئة نشيطة وواعية، بواقع المسلمين في الغرب، وهي تسعى حثيثا لبناء الجسور بالتسامح والتعارف مع الآخرين، وتحاول إعطاء الصورة المثلى للإسلام، ولممارسة المسلمين الحياتية، وهي تجمع كلمة المسلمين هناك في أوروبا على توحيد الخطاب، والتعامل مع القضايا الضاغطة والمشاكل النابتة، بشئ من الصبر وبعد النظر، وحسن التصرف، وتكثف الاستشارة مع كبار العلماء ومع رابطة العالم الإسلامي والمؤسسات الكبرى كالأزهر الشريف ومجمع الفقه الإسلامي، وتسهم في الإصلاح بين الهيئات والأفراد، وتقيم المؤتمرات واللقاءات للتعريف بحقيقة الإسلام بعيدا عن الاتهامات الباطلة والإشاعات الكاذبة، وتمحو آثار التهمة بالغلو والتطرف، بتصحيح صورة الإسلام والمسلمين، فهي مشكورة على ذلك، ونأمل لها النجاح لتحقيق هذه المصالح.

وأخيرا، هل هناك آفاق أو مبادرات للتعاون بين المجلس الإسلامي الأعلى والهيئة الأوروبية للمراكز الإسلامية؟ وما المجالات التي ترون أنها أولى بالتفعيل والتنسيق المشترك؟

نعم، نحن متفائلون دائما، ولنا علاقة وطيدة مع إخواننا في الهيئة الأوروبية للمراكز الإسلامية، وهم يشاركوننا في مؤتمراتنا وندواتنا، ونحن نشاركهم المشاعر، ونأمل أن تتواصل العلاقات لتحقيق النفع المؤسستين، وقد تبادلنا الرغبات في لقاءات بالمجلس الإسلامي الأعلى بالجزائر، مع الشيخ زيان مهاجري رئيس الهيئة الأوروبية للمراكز الإسلامية، لتمديد جسور التعاون، ورغب الطرفان في زيارات متبادلة، وأنشطة مشتركة، وإسهام في المجلة التي تصدرها الهيئة الأوروبية، والمجلة التي يصدرها المجلس، مع تبادل الأفكار والتجارب في المجال الدعوي الذي ينفع الأمة الإسلامية، ويعيد لها وجودها الحضاري في ظل الإسلام الوسطي المتسامح.