حوار خاص لمجلة "لتعارفوا" مع الدكتور فايد محمد سعيد
الأمين العام لهيئة الفتوى والشؤون الشرعية، وعضو المجلس العلمي للجامعة الإسلامية في أثيوبيا وعميد كلية الدراسات الإسلامية باللغة الإنجليزية
انتخابات المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في إثيوبيا حدث تاريخي ومسؤولية حضارية
المجلس ثمرة جهود نضالية طويلة وشهادة حية على صبر المسلمين في هذا البلد العظيم
الانتخابات المقبلة من أهم المحطات في تاريخ المجلس لما تمثّله من تحول استراتيجي في رسم معالم المستقبل للمسلمين في البلاد
نناشد العلماء والدعاة في إثيوبيا أن يسابقوا الزمن ويتنافسوا في الخير وفاءً لجهود المصلحين الذين مهّدوا الطريق
تأليف القلوب وحماية الوحدة من أخطر ما يجب العناية به وكل دعوة إلى الفرقة أو التنازع يجب أن تُرفض وتُحارَب
ولا بد أن يكون خطاب العلماء والدعاة جامعًا يُركّز على المشترك ويُعزز القيم التي توحد ولا تفرق
أجري الحوار – الشيخ مهاجري زيان

الحبشة… حيث كانت أولى الهجرات، ومنها صدح بلال بالأذان، وإليها توجهت أنظار الصحابة طلبًا للعدل والحماية.. في قلب القرن الإفريقي، حيث يمتزج عبق التاريخ بجراح الواقع، تنهض أصوات علماء ودعاة يحملون همّ الأمة، ويسعون لترميم ما أفسدته السياسات المتعاقبة والتدخلات الخارجية.
في إثيوبيا، البلد الذي وُصف بـ”أرض الصدق”، يشهد المجلس الأعلى الإسلامي مرحلة مفصلية من تاريخه، عنوانها: انتخابات تاريخية، وآمال متجددة.
في هذا السياق، كان لمجلة لتعارفوا هذا اللقاء الخاص مع فضيلة الدكتور فايد محمد السعيد، الإمام والخطيب، والعالم المتبحر، وعميد كلية الدراسات الإسلامية باللغة الإنجليزية، الذي جمع بين التكوين العلمي الأصيل في أروقة علماء الحبشة، والدراسة الأكاديمية الرفيعة في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
في هذا الحوار، يأخذنا فضيلته في رحلة بين التاريخ والتحديات، بين الرؤية والأمل، بين الحبشة التي كانت… وتلك التي يُراد لها أن تكون.. وإلي نص الحوار.
بدايةً، فضيلة الدكتور، نود أن نعرّف القرّاء بشخصكم الكريم ودوركم في الشأن الإسلامي؟
أنا فايد محمد سعيد، وُلدت ونشأت في مدينة أسمرة، ودرست في معهد الدين الإسلامي ومدرسة الجالية العربية، وتلقيت العلم على يد كبار علماء عصري، وعلى رأسهم شيخي فضيلة الشيخ حامد عبد القادر – قاضي المحكمة الشرعية – الذي درست عليه الفقه الإسلامي عامةً، والفقه المالكي خاصة، إلى جانب النحو، والفرائض، والتفسير، وغيرها من العلوم، ولازمته وملازمة تامة فجزاه الله عني خير الجزاء.
ثم التحقت بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، ولازمت هناك فضيلة الشيخ عطية محمد سالم، القاضي بالمحكمة المنورة المدرّس بالمسجد النبوي الشريف، وحصلت على درجتَي الماجستير والدكتوراه، ثم نلت درجة الأستاذية في اللغة العربية والدراسات الإسلامية.
وأشغل حاليًا منصب إمام وخطيب المسجد المركزي، والأمين العام لهيئة الفتوى والشؤون الشرعية، وعضو المجلس العلمي للجامعة الإسلامية في أثيوبيا وعميد كلية الدراسات الإسلامية باللغة الإنجليزية.
كيف ترون أهم التحديات التي تواجه المسلمين في منطقة الحبشة والقرن الإفريقي، وسبل مواجهتها؟
الحبشة هي مهد الإسلام الأول، ومن قدر الله سبحانه أن هاجر إليها أصحاب النبي ﷺ، ووصفها الرسول بأنها “أرض صدق”، وأن بها “ملكًا لا يُظلم عنده أحد”، بل كانت الحبشة أول بلد يرتبط به النبي ﷺ خارج الجزيرة العربية، وتكفي شواهد عظيمة:
• أم أيمن بركة الحبشية التي رافقته ﷺ منذ ولادته حتى وفاته.
• زواجه من أم حبيبة – رضي الله عنها – تمّ في أرض الحبشة.
• صلاة الغائب التي شُرعت على النجاشي – وهو ملك حبشي.
• مؤذن الرسول ﷺ بلال – حبشي الأصل.
• هاجرت إلى الحبشة ابنة النبي ﷺ، وهاجر إليها صهره عثمان بن عفان، وابن عمه جعفر بن أبي طالب – رضي الله عنهم.
فهذا البلد مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالإسلام، ومن المهم أن يستعيد المسلمون هذه المكانة التاريخية والدينية العظيمة، وهذا تحدٍّ كبير في حد ذاته.
وفي ظل هذه التحديات، ما القضايا التي ينبغي أن يركّز عليها الخطاب الديني في المنطقة؟
الخطاب الديني ينبغي أن يركّز على وحدة الصف وجمع الكلمة، وعلى إبراز الدور الحضاري للمسلمين، ويجب أن يحمل الخطاب روح الرحمة التي بُعث بها النبي ﷺ، كما قال تعالى: “ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ " الآية (107) سورة الأنبياء، ولم يقل رحمة للمؤمنين أو للمسلمين فقط، بل للعالمين أجمعين.
في ظل الصراعات والحروب، ومنها ما يحدث في السودان، ما دور علماء إفريقيا في مواجهة هذه التحديات؟
الواقع أن الحروب في منطقتنا تقف خلفها تدخلات خارجية ضخمة تسعى للسيطرة وبثّ الفتن وإضعاف المجتمعات، وعلى العلماء والدعاة أن يضاعفوا الجهد في التوعية والإصلاح، دون كلل أو ملل، وأن يتحلوا بالصبر والحكمة والثبات على المبادئ.
حدثونا عن المجلس الأعلى الإسلامي في إثيوبيا: النشأة، والدور، والمهام، والواقع والمأمول؟
المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في إثيوبيا هو ثمرة جهود نضالية طويلة، وشهادة حية على صبر المسلمين في هذا البلد العظيم.
لقد تعرّض المسلمون لظلم تاريخي وتهميش ممنهج عبر الأنظمة المتتالية، وعانوا من محاولات متعمدة للتجهيل والإضعاف، لكنهم صبروا وثبتوا، ومن ثمرة هذا الصبر تأسس هذا المجلس الأعلى، ليكون الجهة الرسمية المعترف بها التي تمثل المسلمين، وتسعى لتحقيق حقوقهم وتطلعاتهم.

كيف ترون الانتخابات القادمة للمجلس الإسلامي، وما مدى أهميتها وتأثيرها؟
تُعدّ الانتخابات المقبلة من أهم المحطات في تاريخ المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في إثيوبيا، لما تمثّله من تحول استراتيجي في رسم معالم المستقبل للمسلمين في البلاد، وقد اضطلع المجلس، في دورته السابقة برئاسة معالي الشيخ الدكتور الحاج إبراهيم توفا، حفظه الله، بدور بارزٍ لا يمكن إنكاره أو مجاراته، حيث استطاع -بفضل الله تعالى- أن يعيد للمسلمين حضورهم في الخارطة العالمية، عبر جهود جبارة أسفرت عن انتشار المساجد، وتأسيس الجامعات الإسلامية، وتعزيز المؤسسات القضائية، إلى جانب دعم هيئة علماء إثيوبيا.
هذه إنجازات تراكمت عبر عقود من الكفاح، ولكنها تحققت في فترة وجيزة بفضل حكمة الشيخ وهيبته وجاذبية شخصيته التي جمعت الكلمة ووحّدت الصف.
وإننا نأمل وندعو الله أن تكون نتائج هذه الانتخابات القادمة سببًا في مزيد من الرحمة والبركة، والخير والفلاح للمسلمين في إثيوبيا.
ما رسالتكم للأئمة والدعاة والعلماء – خصوصًا الشباب – بشأن انتخابات المجلس؟
إن مهمة العلماء والدعاة ليست مجرد دور اجتماعي، بل هي امتداد لمهمة الأنبياء، واصطفاء إلهي عظيم، قال الله تعالى:“ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ" الآية (9) سورة الزمر، فالعلماء هم أمناء الوحي وحَمَلة الرسالة، وقد آن الأوان ليغتنموا هذه المرحلة التاريخية التي مكّنت المسلمين، ومنحتهم فرصة نادرة لإصلاح الواقع وبناء المستقبل. إننا نناشد العلماء والدعاة في إثيوبيا أن يسابقوا الزمن، ويتنافسوا في الخير، وفاءً لجهود المصلحين الذين مهّدوا الطريق، وطلبًا لرضوان الله عز وجل.
ما رؤيتكم لتفعيل دور المجلس الأعلى إسلاميًا داخل إثيوبيا وعلى المستويين الإقليمي والدولي؟
لقد تحقق للمجلس الأعلى خلال الدورة الماضية عدد من الإنجازات العظيمة، مما يبعث على التفاؤل بأن القادم سيكون أعظم بإذن الله تعالى.
ومن الأهمية بمكان أن يضع المجلس، في المرحلة المقبلة، رؤية استراتيجية شاملة تهدف إلى تفعيل دور مسلمي إثيوبيا في الخارج، والاستفادة من طاقاتهم العلمية وخبراتهم الثقافية والاجتماعية، بما يسهم في بناء منظومة تكاملية بين الداخل والخارج تخدم المصلحة العامة للأمة.
كيف ترون مستقبل مسلمي الحبشة في ظل التغيرات الجديدة؟ وما هي رسالتكم للقيادات الإسلامية في الداخل والخارج؟
تقبل المنطقة على مرحلة دقيقة وحساسة تستوجب وعيًا استثنائيًا، ويتحمل فيها العلماء مسؤولية كبرى في التوجيه والإرشاد، ومن أعظم ما يجب التركيز عليه في هذه المرحلة هو وحدة الصف وجمع الكلمة، فإن الله سبحانه وتعالى قد امتنّ على نبيّه صلى الله عليه وسلم بقوله: “ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " الآية (63) سورة الأنفال.
إن تأليف القلوب وحماية الوحدة من أخطر ما يجب العناية به، وكل دعوة إلى الفرقة أو التنازع يجب أن تُرفض وتُحارَب.
ولا بد أن يكون خطاب العلماء والدعاة جامعًا، يُركّز على المشترك، ويُعزز القيم التي توحد ولا تفرق.
كلمة أخيرة توجهونها لمجلة “لتعارفوا” ولقرّائها في العالم الإسلامي؟
نشكر كل من أسهم في هذه الجهود المباركة، ونسأل الله تعالى أن يُوَحّد كلمة المسلمين، ويصلح ذات بينهم، ويوفقهم لما يحبه ويرضاه، ويجعل في هذه المرحلة انتقالًا مباركًا نحو مزيد من القوة والتماسك والازدهار.
-------------
كلمة " مجلة لتعارفوا" في خاتمة الحوار ..
ما بين ذاكرة الهجرة الأولى، وتطلعات الحاضر الملتهب، يقف المسلمون في الحبشة أمام مفترق طرق، تتطلّب فيه المرحلة وعيًا راسخًا، ووحدة صف، وخطابًا دينيًا جامعًا ينأى عن التنازع، ويُعلي من شأن الرحمة والعلم والعمل.
لقد أضاء لنا فضيلة الدكتور فايد محمد السعيد جوانب مهمّة من واقع مسلمي إثيوبيا، واستعرض معنا رهانات المجلس الأعلى الإسلامي، مؤكدًا أن ما تحقق من مكاسب هو ثمرة عقود من الصبر والنضال، وما ينتظر المستقبل يتطلب تضافر الجهود وتكامل الأدوار بين الداخل والخارج.
في ظل التحوّلات المتسارعة التي يشهدها القرن الإفريقي، يبقى صوت العلماء والدعاة الأوفياء صوتَ أمل، ودعوةَ وعي، وبوصلةَ اعتدال… وهو ما تسعى مجلة لتعارفوا إلى تسليط الضوء عليه، من قلب الميدان، وبقلم من يعرف الحقيقة ويعيشها.
نسأل الله أن يبارك في الجهود، ويوحّد الصفوف، ويكتب لشعوبنا الإسلامية في إفريقيا الأمن والتماسك، والازدهار في الدنيا والآخر
رئيس الهيئة الأوروبية للمراكز الإسلامية.. الشيخ مهاجري زيان حصريا لـ”الحوار”:دور أغلب المراكز...
حوارات
أكد رئيس الهيئة الأوروبية للمراكز الإسلامية، مهاجري زيان ان ما حصل في مسجد نيوزيلاندا أبشع جريمة كرا...
حوارات
الدكتور محمد عبد الكريم العيسي أمين عام رابطة العالم الإسلامي في حوار خاص معنا :نحمل هموم الشعوب الإ...
حوارات
المونسنيور الدكتور خالد عكشة، في حوار مع “لتعارفوا”:“دور الدول هو عدم عرقلة الحوار الدّيني وتشجيعه،...
حوارات