عاجلمقالات

الاعتناء بالبيئة في الاسلام

الاعتناء بالبيئة في الاسلام

الدكتور الجيلالي شقرون

يعتبر الدين الإسلامي منهجا متكاملا بدأ بالمنهج الاعتقادي، وأولى أهمية لمناهج الحياة المختلفة وهو كذلك أسلوب للحياة ومجموعة متكاملة من القيم. فهو يحث على تشبع كل فرد بالقيم الأخلاقية والبيئية. يقول الله سبحانه وتعالى:( وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ) 56، الأعراف.

وبين الله تعالى في كتابه على أن تعاليم الإسلام تسخر الإنسان في الأرض للمحافظة على الحياة البشرية، وحماية البيئة، واستعمال الموارد الطبيعية في إطار من الاعتدال والحكمة. فهيأ البيئة المناسبة التي سيعيش فيها الإنسان، فالصانع الحكيم لم يسكن الإنسان في هذه الأرض إلا بعد أن هيأها له، قال تعالى: (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا  أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا  وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ) 30…33، النازعات، فقد أصلح الله تعالى هذه الأرض بما خلق فيها من المنافع، وامتن على عباده بأن وفقهم لاستغلالها دون الإضرار بها، قال تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا)29، البقرة.

  • البيئة في ميزان الحضارة الإسلامية:

خلق الله سبحانه وتعالى الكون بدقه بالغة وإتقان وبقدر معلوم وأبدع سبحانه وتعالى في خلقـــــه، وأحسن تشكيله وتنظيمه قال تعالى : (وَتَرَى الجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ) 88، النمل. وقال تبارك وتعــــــــــــالى :(إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) 49،القمر، وقال عز وجل :(الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) 7، السجدة. 

فهناك علاقة متبادلة بين الإنسان والبيئة، علاقة تأثير وتأثر، فبقدر ما تؤثر البيئة على الإنسان ،فإن لهذا الإنسان أثر على البيئة .

ولهذا شجع رسول صلى الله عليه وسلم على غرس الأشجار والزراعة والتي تعتبر بابا من أبواب الأعمال الصالحة. ويتجلى ذلك فيما ورد في سنته عليه الصلاة والسلام، فقد روى أنس بن مالك رضي الله، أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال: ” مَا مِن مُسلم يَغرِسُ غَرْسًا أو يَزرَعُ زَرْعًا فيأكُلُ مِنه طَيرٌ أو إنسَانٌ أو بهيْمَةٌ إلا كان لهُ بهِ صَدقَةٌ “البخاري.

فالإسلام ضد قطع أو تدمير النباتات والأشجار دون داع، كما هو واضح في الحديث التالي: عن عبد الله بن حبشي أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم قال “مَنْ قَطَعَ سِدْرَةً صَوَّبَ اللَّهُ رَأْسَهُ فِي النَّارِ” رواه أبو داود. والدمار الناجم عن إزالة الغابات في كثير من البلدان يتسبب في تآكل التربة وقتل التنوع البيولوجي للأرض.

  • فعل النظافة في الحضارة الإسلامية وأثرها:

حثنا الرسول صلى الله عليه وسلم على النظافة فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن الرسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ ” رواه مسلم. قال المناوي: إن الله جميل أي له الجمال المطلق جمال الذات وجمال الصفات وجمال الأفعال ، يحب الجمال أي التجمل منكم في الهيئة، أو في قلة إظهار الحاجة لغيره.

وعندما عين أبو موسى الأشعري رضي الله عنه واليا على البصرة خطب في الناس “أن أمير المؤمنين عمر بعثني إليكم أعلمكم كتابكم، وسنة نبيكم، وأنظف لكم طرقكم”. و عن أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: “اتَّقوا اللَّعَّانَينِ، قالوا: وما اللَّعَّانانِ يا رسولَ الله؟ قال: الذي يَتخلَّى في طريقِ النَّاسِ أو في ظلِّهم” مسلم. هذه القيم تظهر اهتمام الإسلام بالبيئة والمحيط الذي يعيش فيه، ليعطي صورة حقيقية عن الإسلام وأهله بتجنب تلويث الفضاءات العامة للمجتمعات الانسانية بشكل عام. وزاد في التأكيد على ترسيخ مبادئ النظافة البيئية أين ما وجد، وفي هذا جاء عن أبي هريرة رضي الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الإِيمانُ بضْعٌ وسَبْعُونَ، أوْ بضْعٌ وسِتُّونَ، شُعْبَةً، فأفْضَلُها قَوْلُ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأَدْناها إماطَةُ الأذَى عَنِ الطَّرِيقِ، والْحَياءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمانِ “. مسلم. وهذا الحديث يدل على رعاية الإسلام واهتمامه بالبيئة ، حيث إن الإسلام ربط بين الإيمان وإبعاد الضرر عن المسلمين وغيرهم ممن يعيشون معهم في غير بيئاتهم.

  • المسلم وعميلة التشجير:

واهتم الإسلام اهتماما بالغا بالغرس والتشجير وتخضير الأرض، فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : “ما مِن مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ منه طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ؛ إِلَّا كانَ له به صَدَقَةٌ ” البخاري ، وليس هناك حث وتحريض وحرص على التشجير أقوى من حديث النبي صلي الله عليه وسلم، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال صلي الله عليه وسلم :”إذا إنْ قامَتِ السَّاعةُ وفي يدِ أحدِكُم فَسيلةٌ فإنِ استَطاعَ أن لا تَقومَ حتَّى يغرِسَها فلْيغرِسْها”  على شرط مسلم.

حماية البيئة:

            أولت الحضارة الإسلامية اهتماما لا حد له بحمايتها و يعكس هذا الصورة الإيجابية عن الإسلام، وكيف يحتضن كل مسألة  تواجه البشر على وجه الأرض.  فالموقف الإسلامي تجاه البيئة والحفاظ على الموارد الطبيعية لا يعتمد فقط على حظر الاستغلال المفرط ولكن أيضا على التنمية المستدامة، القرآن الكريم يقول :(وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلائِفَ ٱلْأَرْ‌ضِ وَرَ‌فَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَ‌جَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآءَاتَىٰكُمْ  إِنَّ رَ‌بَّكَ سَرِ‌يعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٌ‌ۭ رَّ‌حِيمٌۢ) 165، الأنعام. هذا الفعل والتعامل معه وتفعيله في حياة المسلم شرط ضروري لاستمرار الحياة، واحتراما للسنن الكونية التي وضعها الله في ملكه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى