مقالات
أخر الأخبار

شهر صفر من المعنى إلى الدلالة

شهر صفر من المعنى إلى الدلالة

بقلم الأستاذ محمد ضياء أبوسنة

قال تعالى ” وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا ” ( الإسراء 12) .

خلق الله للإنسان آيتين يمران عليه (الليل والنهار) ليعلماه بأهمية الزمن في حياته فتعتريه صفات هي من الطفولة أشبه ثم يقوى ساعده فيصير فتياً يدرك ما حوله ثم يعتمد على نفسه في مرحلة الشباب يبتغي فضلاً من ربه فيعمل، ليسعد نفسه وأسرته المحيطة به ثم يكون كهلاً قريباً من ربه فيدرك أنه عاد إلى فترته الأولى ولكن بدنو من آخرته … فتلكم هي الحياة!

ويأتي قوم بعد أقوام آخرين وحضارات تلو حضارات والسعيد فيها من يخرج من تلك التجربة محباً لذات الله معترفاً بقدرته عليه وأنه يُغيِّر ولا يَتغيَّر ، واحد في صفاته لا يحيطون به علماً “كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ” (الرحمن 29) .

وخلق الخلق والزمان والمكان وجعل درة خلقه الإنسان خليفة له في الأرض لينظر كيف يعمل ؟ فهنيئاً للإنسان الذي جعل همه الله فكفاه الله كل هم (هم الدنيا والأخرة) وطوبى له بتقوى الله وسعادة الدارين .

وشهر صفر هو الشهر الثاني من الأشهر القمرية التي قال الله فيها ” إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ۚ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ” (التوبة 36) .

وإذا كانت العرب تغير في الأشهر تبعاً لرغبتهم في القتال أو الكف عنه فيغيرون تبعاً لهواهم، فأنزل الله قرآناً لما كانوا يفعلونه من جعل صفر مكان المحرم عاماً بعد عام أو عامين حسب هواهم ورغبتهم .

فأنزل الله سبحانه وتعالى قوله توبيخاً على فعلهم “إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ۖ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ ۚ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ” ( التوبة 37 ) .

ومعنى صفر في الجاهلية : هو شدة الحر أو الحرب ، فقد كانت العرب تسميه سابقاً (ناجر) أي تنجر الإبل فيه أي يزداد شربها للماء حتى ترتوي من شدة الحر. وكذلك كانت القبائل تخرج فيه للإغارة بعد المحرم طلباً للمغرم والكلأ والماء فتصفر الدار (أي تخلو من أصحابها) فقيل له شهر صفر.

ولا شك أننا في حياتنا الممتدة بين الزمان والمكان نجد صعوبات منها شدة الحرارة فكيف نتغلب عليها ؟ وهي قد تتسبب في تغيير مناخ الأرض وتقوم بإشعال الحرائق، وتتعرض الكرة الأرضية لظروف قاهرة. فما الهدى النبوي الذي يدعونا فيه النبي صلى الله عليه وسلم إلى التغلب على ذلك.

1 – الرجوع إلى الله دائماً ونعلم الله قد أحاط بكل شيء علما وأنه لا مردَّ لقضائه إلا بتفويض الأمر إليه والصبر على ما ابتلانا الله به ” وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ  الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ  أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ” (البقرة 155 – 157) .

وذلك من تثبيت الله للمؤمنين فلا يتسخط على أقدار الله ، بل يطلب منه اللطف دائماً فيرضى بقضاء الله فيرى البشارة في الرضا بعد الكبد والعناء .

فترث النفس الطمأنينة والإيمان فقد جاء عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ” أنه لم يعط هذه الكلمات نبي قبل نبينا صلى الله عليه وسلم “

عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، قالَتْ: سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ يقولُ ” ما مِن مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فيَقولُ ما أمَرَهُ اللَّهُ: {إنَّا لِلَّهِ وإنَّا إلَيْهِ راجِعُونَ}،[البقرة:156] اللَّهُمَّ أْجُرْنِي في مُصِيبَتِي، وأَخْلِفْ لي خَيْرًا مِنْها، إلَّا أخْلَفَ اللَّهُ له خَيْرًا مِنْها، قالَتْ: فَلَمَّا ماتَ أبو سَلَمَةَ، قُلتُ: أيُّ المُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِن أبِي سَلَمَةَ؟ أوَّلُ بَيْتٍ هاجَرَ إلى رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، ثُمَّ إنِّي قُلتُها، فأخْلَفَ اللَّهُ لي رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ قالَتْ: أرْسَلَ إلَيَّ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ حاطِبَ بنَ أبِي بَلْتَعَةَ يَخْطُبُنِي له، فَقُلتُ: إنَّ لي بنْتًا وأنا غَيُورٌ، فقالَ: أمَّا ابْنَتُها فَنَدْعُو اللَّهَ أنْ يُغْنِيَها عَنْها، وأَدْعُو اللَّهَ أنْ يَذْهَبَ بالغَيْرَةِ ” (رواه مسلم) .

2 – اتخاذ كافة السبل لمواجهة الأخطار الناجمة عن شدة الحر بعقد الاجتماعات والمؤتمرات الدولية والهيئات المدنية لدراسة الأسباب التي تؤدي إلى ذلك والتي منها ما يسمى بالاحتباس الحراري وما نصنعه في البيئة المحيطة بنا وكيفية العلاج بالرجوع الى المظاهر الطبيعية الحياتية لخفض درجة حرارة الجو والابتعاد عن كل ما من شأنه أن يسهم في زيادة درجة حرارة الكون مما يناقشه الخبراء  ويأتون فيه بالحلول المتعلقة بالبيئة .

3 – الدعوة الى السلم والسلام في الأرض جميعاً وأن الحروب لا تأتي بثمارها وأنها شر مستطير وأن الإنسان ما خلق إلا لتعمير الأرض وأن خيراتها تسع الناس جميعاً ورزق الله لا حد له فيعطف الإنسان على أخيه الإنسان مما استخلفه الله فيه ، فيسعد دنيا وآخره .. وأن يكون التعاون بين الناس هو السائد وليس تعالياً وإنما هو حق من حقوق الإنسان في أن يعيش إنساناً تحفه السعادة والأمل في عطاء الله ” يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ” (الحجرات 13)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى